تدخل المملكة العربية السعودية في اليمن: مبادرة موفقة ومشروعة وضرورية / يعقوب ولد داداه

ثلاثاء, 09/15/2015 - 13:14
يعقوب ولد داداه

بقلم: يعقوب ولد داداه    - خريج مدرسة سانت كلود العليا لتأهيل الأساتذة (فرنسا)

أستاذ وموظف سامي سابق - باحث في العلوم الإنسانية

هاتف: 0022247752371 - ص.ب:3304 - نواكشوط-موريتانيا - بريد الكتروني:yacoub.daddah@gmail.com 

تمتد المملكة العربية السعودية على أكثر من 70% من المساحة الإجمالية للجزيرة العربية، من ضفاف الخليج شرقا إلى شواطئ البحر الأحمر غربا، ومن حدود دول اليمن والإمارات العربية المتحدة وسلطنة عمان جنوبا، إلى تخوم الأردن والكويت والعراق شمالا. وتقع دولة قطر على حدودها القارّية شرقا في حين توجد مملكة البحرين – وهي جزرية بالكامل – فى عرض الخليج ، قبالة منطقتها الشرقية.

وعن طريق خليج السويس ثم القناة التي تحمل نفس الاسم ، من جهة، ومضيقي هرمز[1] وباب المندب[2]، من جهة أخرى، تتصل المملكة العربية السعودية، على التوالي، بالبحر الأبيض  المتوسط، شمالا، وعبر خليجي عمان[3] وعدن[4]، بالمحيط الهندي، جنوبا.

وبهذا تحتل موقعا استراتيجيا في غاية الأهمية عند نقطة تلاقي كتل العالم القديم[5] القارية  الثلاث (آسيا، إفريقيا، أوربا).

وبوصفها مهدا لآخر الديانات السماوية ونظرا لاحتضانها، علاوة على ذلك، البقاع المقدسة  لهذا الدين، فقد مثلت أراضيها منذ ظهور الإسلام في أوائل القرن الميلادي السابع مركزا فريدا لأمة كبرى يصل عدد أفرادها اليوم أكثر من مليار ونصف مليار نسمة يتوجهون في صلاتهم خمس مرات في اليوم علي الأقل شطر المسجد الحرام، باتجاه تلك الأرض المباركة حيث نشأت وترعرعت ملتهم الحنيفة الداعية إلي توحيد الرب وتجاوز الذات والتفاني في خدمة سائر الكائنات، والتي يؤمونها سنويا بالملايين لأداء فريضة الحج الأكبر.

وعلى مدى القرن العشرين الذي شهد حربين عالميتين شديدتي التدمير(1914-1918 و1939-  (1945وهزته إنذارات عديدة وكم هائل من النزاعات الإقليمية المتكررة كما دارت فيه الحرب الباردة (1945-1990)، وشهد التحول الهائل الناجم عن ولوج أقطار الإمبراطوريات الاستعمارية الأوروبية السابقة في آسيا وإفريقيا إلي الاستقلال انطلاقا من نهاية الحرب العالمية الثانية قبل أن يسجل في عقديه الأخيرين الإصلاحات الجذرية التي طالت المعسكر الشيوعي (perestroïka)[6] ثم بلورة نظرية العولمة (mondialisation)[7]، ظلت المملكة العربية السعودية- التي كانت واحدة من دول الجنوب القليلة التي حافظت دون انقطاع علي سيادتها- تبرز، عبر عمل دبلوماسي رشيد ومتوازن، إحساسها الكامل بالمسؤولية وحرصها الدائم على استتباب الأمن وتوطيد الاستقرار.

وقد بذلت على وجه الخصوص جهودا ملموسة في سبيل تحقيق الانسجام الإقليمي وضحت أحيانا بمصالحها الذاتية من أجل الإسهام في ضبط المبادلات الدولية سعيا إلى ضمان استقرار النظام الاقتصادي العالمي.

واعتمادا على رؤيتها الشمولية للعلاقات الدولية وحكمة واعتدال مقاربتها في التعامل مع الأحداث، استطاعت المملكة العربية السعودية أن تنزع فتيل الأزمات المعقدة وأن تحول دون المآسي التي يؤدي إليها تفاقم التوتر ومزايدات التصعيد.

والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى أحرى أن تحتاج إلى دليل أو برهان. بل يكفي التذكير بأن هذه الدولة دأبت على التحلي برباطة الجأش مهما اتسعت الفوارق وادلهمّت الخطوب وتأزمت الأوضاع، فكانت دائما الحصن المكين والدرع الواقي للسلم والأمان ولم تزل باني سلام لا يعرف الكلل وباستمرار عامل وئام وسكينة. ولا غرو، فذاك ديْدنها وتلك شيمتها.

وفي محيطها المباشر، تسنى لها العديد من الفرص لتبرهن على موقفها الثابت في البحث المستمر عن الحلول الناجعة للمشاكل المستعصية والانفتاح المستنير على كل المقترحات الكفيلة بإحداث التقارب في وجهات النظر وإرساء جو من الوئام والانسجام عبر تحسينات حقيقية - وما هو أفضل من ذلك - من خلال التوصل الي حلول توافقية ومستدامة وبكلمة واحدة الي بدء مسار فعلي نحو التفاهم التام والتطبيع النهائي.

ولم يُسجل قط أي سعي لها إلى تأجيج الصراعات أو محاولة استغلال الخلافات العقدية. فهي في تصورها للتعاطي مع العلاقات الدولية، تنبذ الانغلاق والتعصب والإقصاء وترى فيها مسلكا مستهجنا خاليا من الفعالية وبعيدا كل البعد عن الصواب لا يمكن الركون إليه بحال لتحقيق الأهداف النبيلة ولا الغايات البناءة.

الواقع أن المملكة العربية السعودية ظلت دوما بمنأى عن الصيد في المياه العكرة واستخدام الوسائل المشبوهة. ولم تلجأ إلى ذلك لا في لبنان، ولا في أفغانستان، ولا في العراق أو  سوريا ولا في أي بلد آخر[8].

ولم يسبق لها أن تورطت في مغامرات غير محسوبة العواقب ولا ينتج عنها سوى الخلافات و الاضطرابات والحروب.

وفي اليمن[9] حيث حكمت أغلب الأحيان الشيعة الزيدية[10] التي كانت لها علاقات طيبة مع جيرانها في الشمال، لم تتغير أساليب التعامل مع هذا البلد في أي وقت من الأوقات ولم تشذ عن المنهجية الحكيمة التي تتبعها المملكة العربية السعودية في علاقاتها مع باقي الدول الشقيقة والصديقة.

إن من غير الأخلاقي بل ومن غير المجدي أيضا استغلال النزعات الطائفية وتعميق الحزازات والتجاذبات الفئوية. لذا فإن المملكة العربية السعودية ما فتئت تدين بلا هوادة مثل هذا السلوك وتدعو إلى التشاور بين جميع الأطراف لتجاوز العقبات والتوفيق بين المتناقضات سلميا. وهذا دأبها الآن وبالأمس وفي كل حين.

ولا أدل على ذلك من المبادرات التي قادتها في الماضي وتقودها في الحاضر انطلاقا من قناعتها المبدئية ومن خياراتها الثابتة.

فكلما طلبت وساطة المملكة العربية السعودية أو تمت الاستعانة بمساعيها الحميدة أو اضطرت الي التدخل المباشر، فإنها تبذل قصارى جهدها في إيجاد أكثر الحلول نجاعة وأقوم التسويات عدلا وإنصافا عن طريق التوافق والإجماع ما أمكن إلى ذلك سبيل.      

ومن هذا المنظور، يتعين أن تعرض المشاكل التي تطرحها بعض أنماط التشيع- أو التي طرحت لها في بعض الاحيان- على الهيئات المختصة في الأمة[11] لمناقشتها وتسويتها. والمقصود هنا الهيئات المتفرعة عن منظمة المؤتمر الإسلامي، ويمكن اللجوء عند الاقتضاء- وكإجراء أخير- إلى قمم رؤساء الدول الإسلامية. ومهما يكن فينبغي أن تتوخى الحلول المقترحة الانفتاح والتقارب فيما بين الطوائف حتى تسود علاقاتِها أجواءُ المودة والإخاء.

وتبعا لهذا المنطق، تجدر الإشارة إلى أن التعايش مع الشيعة أو مع أي فرقة مغايرة أو مخالفة في المعتقد بأي شكل من الأشكال، أو حتى مع الديانات الأخرى، لم يطرح قط إشكالا للسنة، على العموم، ولا للمملكة العربية السعودية بوجه خاص.

ومع ذلك فلا جدال في أن أزمات متفاوتة العمق والحدة قد نشبت- وتم التغلب عليها لحسن الحظ- في فترات مختلفة من التاريخ.

 لكن التأزم الطائفي الخطير الذي ظهر مؤخرا- والذي لا يزال لحد الآن يعكر صفو أجزاء هامة من العالم الإسلامي- يستدعي بالضرورة استجلاء بعض العوامل الكامنة وراءه والتي لم يجر التنبه إليها وأخذها في الاعتبار بما فيه الكفاية إن لم نقل إنها أهملت بالكامل.

ليس التشيع في حد ذاته هو ما يطرح مشكلة، بل المشكل يتمثل في الفهم الذي يتبناه تيار شيعي شاذ يطبعه الغلو والتعصب ويندفع بكل عنف في محاولة انتهاز فرصة الأوضاع المتردية في منطقة الشرق الأوسط فينشط في ساحة حروب مزمنة وعلى خلفية شبه حرب أهلية ساعيا إلى قلب الحقائق الديموغرافية رأسا على عقب وبهذه الطريقة إلى إعادة رسم الخريطة السياسية الجهوية بالكامل لصالحه.

ولا مراء في أن هذا المشروع يحظى بدعم نشط وبتدخل مباشر من قوة أجنبية تسعى، في انتهاك سافر للمبادئ والحقوق، إلى بسط نفوذها وسيطرتها على كافة جيرانها من خلال فرض نموذجها الإيديولوجي ومذهبها الديني بالقوة، إن استدعى الأمر ذلك، وحتى باللجوء عند الاقتضاء إلى "التطهير العرقي"[12]، معتقدة – بغير حق – أن الظرفية ناضجة لتنفيذ أكثر مخططاتها التوسعية استمرارية وأشدها إثارة للاضطراب.

ففي سوريا، يستمر تلاشي السلطة ويتعرض الشعب للبطش الدموي على يد نظام استبدادي لا هم له سوى بقائه في سُدة الحكم، بينما يشهد العراق تنامي مطامع قديمة ومتواصلة ما فتئت تتجدد لاستحواذ إحدى الطوائف على جميع مقدرات البلاد ومصادرة الدولة على حساب المكونات الأخرى الخاضعة للتهميش والإقصاء وحتى الإبادة ولو تطلب ذلك تفكيك البلد وتدميره بالماكل.

وفي ظل هذه الوضعية المتأزمة والحبلى بكل المخاطر والمحاذير، نشأت عصابات متزمتة ومعادية للحريات ترعاها جهات خارجية، ومن رحمها انبثقت زمر همجية مشبوهة عاثت فسادا في أقاليم فسيحة لا تخضع لأي قانون (العراق، سوريا، اليمن) وارتكبت عبر أبشع أشكال الارهاب و الظلم و أكثرها فظاظة جرائم يندى لها الجبين والإسلام منها براء.  

ولا ريب في أن بلدان المنطقة لا يمكن أن تبقى مكتوفة الأيدي أمام هذا الخطر المحدق الذي يوشك – ما لم يجر التصدي له بما يلزم من حزم وسرعة – أن يغرق المنطقة والعالم في دوامة من التوتر الأمني وزعزعة الاستقرار لا يعلم مداها إلا الله.

أجل، إننا الآن في مواجهة ممارسات تعود إلى عهود بائدة وتشكل تهديدا ماحقا لمستقبلنا وللأمن والسلم العالميين. لذا يتوجب على وجه الإلحاح والاستعجال أن يوضع حد نهائي لهذا التهديد.

ولا يسوغ للمملكة العربية السعودية – بل لا يجوز لها – أن تتخلى عن هذا الواجب لا بإملاء من مبادئها فحسب وإنما أيضا بحكم الجغرافيا والتاريخ وعملا بمقتضيات الدفاع عن النفس وتطبيقا لقواعد واتفاقيات العلاقات الإقليمية باعتبار المكانة الفريدة التي يتبوأها هذا البلد العظيم على شتي الأصعدة من روحية، واقتصادية، وسياسية.

ويتأكد هذا الواجب بفعل التهديدات التي تتربص بالمملكة العربية السعودية نفسها في حين  يتعذر عليها التزام الحياد إزاء ما يتعرض له حلفاؤها ممن تربطهم بها علاقات مثالية ومتعددة الجوانب وعهود للتضامن والدفاع المشترك مبرمة على وجه الخصوص مع دول مجلس التعاون المعرضة بدورها  للأخطار ذاتها بشكل مباشر ومقلق.

وعلاوة على ذلك، فإن الحكومة اليمنية الشرعية المنقلب عليها بالقوة والتي تشهد عاجزة على تقتيل شعبها وتدمير بلدها من طرف عصابة ظلامية دموية تتلقى الأوامر من الخارج، قد ألحت في المطالبة بالتدخل الفوري.

فمن هذه الزاوية الشمولية والرؤية المتكاملة، ينبغي النظر إلى التدخل السعودي في اليمن.

وتأسيسا على الاعتبارات السالفة الذكر يلزم مساندة هذا المسعى بصراحة تامة وبدون مواربة أو تردد.

إن تواجد عناصر إرهابية تقترف منكر البوائق لا في سوريا[13] فحسب بل في العراق واليمن كذلك، على خلفية دول منهارة أو على الأقل تتهاوى فيها السلطة المركزية، ليدعو إلى المواجهة الحازمة لتلك العصابات التي تجتاح مناطق فسيحة يتراجع فيها النظام وتنتشر فيها فوضى عارمة[14]. وأي تهاون في صد هذا الخطر سيعرض الاستقرار الدولي لهزات عنيفة ويهدد في الصميم السلام والأمن العالميين.

إن غزو اليمن بصورة بشعة وتمزيقه من طرف أقلية طائفية متعصبة تابعة للخارج وتتأهب على أبواب المملكة العربية السعودية لتوسيع دائرة التدمير الممنهج الذي ألحقته باليمن إلى جيرانها في الشمال لتصبح بذلك جميع بلدان الخليج مستهدفة وأمن المنطقة بأسرها في خطر ليمثل توجها كارثيا لا يقبل السكوت عليه ولا يجوز الاستسلام له. فهل يمكن موضوعيا التغاضي عن ذلك الخطر أم يعتبر أي تراخ في مواجهته بمثابة خيانة؟

بما أن المملكة العربية السعودية تعد من أهم القوى الإقليمية وتشكل دون منازع مصدر إشعاع روحي ومثابة وأمنا للمسلمين كافة أيا كانت طوائفهم ومذاهبهم، فلا يمكن – ولا يجوز- بحال من الأحوال أن تقبل بهذا الانحراف ولا أن تتفرج مكتوفة الأيدي على تنفيذ مخطط خبيث لابد أن يحدث نتائج كارثية تستعصي على الحساب.

أيعقل أن تنتظر دون رد حتى تستكمل المليشيا الطائفة الجديدة المؤتمرة من الخارج أهبة الاستعداد وتبلغ أهدافها المنشودة والمتمثلة في ترسيخ قطب إقليمي لبث العنف على الصعيد الدولي وزعزعة الاستقرار بصورة دائمة سبيلا إلى إحداث بلبلة لا يمكن التنبؤ بتداعياتها؟

إن هذا البعد[15]، والمكانة الفريدة التي تتبوأها المملكة العربية السعودية والدور الحيوي المنوط بها، نادرا ما يتم التطرق إليهما وقليلا ما يجرى الاعتراف بهما وتقديرهما حق قدرهما. وبالرغم من ذلك فإنها أمور في غاية الأهمية ينبغي النظر إليها بإمعان لاستكناه ملابساتها واستخلاص العبر التي تنطوي عليها.

فالشرف العظيم الذي تحوز المملكة العربية السعودية فخاره بوصفها حاضنة للأماكن المقدسة والقلب النابض للأمة يضفي عليها مزيدا من المسؤولية ويفرض عليها واجبات خاصة كما يمنحها بالمقابل هيبة ومنزلة سامية يجدر التنبه إلى آثارها وانعكاساتها وأخذها بحق في الاعتبار.

وعلى رأس تلك الواجبات والمسؤوليات التي تضطلع بها المملكة العربية السعودية بكل جدارة[16] توجد صيانة الحرمين الشريفين بمكة المكرمة والمدينة المنورة- وغيرهما من المشاعر- وتوسعتهما كلما اقتضت الحاجة وتسهيل الولوج إليهما لتيسير مناسك الحج والعمرة.

ومن المزايا التي يحق للمملكة العربية السعودية الحصول عليها ما يقتضيه سمو المكانة ورفعة المقام من الاحترام الصارم لمواقفها وقراراتها والاعتراف علنا بحرمتها وقداستها. وهذه الصدارة مستمدة بالدرجة الأولى من احتضانها لأعظم مقدسات المسلمين وما يستتبع ذلك من إجلال وتوقير ينسحبان على البلد الذي يؤوي تلك المقدسات.

ومن الوجهة العقدية المحضة، يجب أن تظل المملكة العربية السعودية بمنأى عن الضغوط من اجل التحول "الأيديولوجي" وان تبقي خارج بعض مشاريع الدمقرطة والعلمنة التي لا تقبل ولا تعقل في نظر المسلمين لأنها لا تتناسب مع طابع التقديس الذي تمتاز به الدولة الحاضنة للحرمين، تماما كما هو الحال- علي سبيل المثال- بالنسبة للكاثوليك[17] في نظرتهم إلى حاضرة الفاتيكان القلب النابض لكنيستهم أو للكرسي البابوي[18]نفسه بعبارة أخرى.

ولا يعني هذا بحال من الأحوال التنكر لقيم الحرية والعدالة والمساواة، ولا التجافي بأي شكل من الأشكال عن الالتزام بالتقيد بمتطلبات الحقوق الإنسانية في جوهرها الأصيل الخالي من الادعاءات الباطلة. ذلك أن تلك القيم والمبادئ تدخل صميميا في صلب التعاليم الإسلامية التي كرّستها منذ أكثر من أربعة عشر قرنا وجعلت منها جوهر دور المسلم الاجتماعي وأساسا لرسالته التاريخية.

وما على المتلاعبين ومطلقي الجن إلا أن يقلعوا عن تصوراتهم وتطلعاتهم الوهمية. أما المتشددون الدمويون، مهما تكن مشاربهم وانتماءاتهم، سواء ادعوا الانتساب إلى الإسلام أو إلى غيره، فيلزم تطويقهم بكل صرامة والتصدي لمخططاتهم التراجعية الهدامة بأقصى قدر من الحزم والتصميم.

وبالفعل، يتحتم السعي بكل الوسائل إلى الحيلولة دون تهديد السلم والأمن العالميين بتأثير المصالح الأنانية أو الحسابات الضيقة والسخيفة أو بمجرد سوء التقدير، وذلك عن طريق المساس بقيمنا وحريتنا ومكتسباتنا وارتهان مستقبلنا، وحتى تهديد استم رار البقاء على كوكبنا الأرضي.  

ولعل من المفيد التذكير بأن المملكة العربية السعودية، بحكم دورها الروحي الذي لا نظير له، لا تشكل فحسب القطب الرحى بالنسبة للإسلام السني بل بالنسبة للمسلمين كافة. وليس في ذلك مفارقة إلا ظاهريا، إذ إن العوامل التي توحد المسلمين أكثر وأعمق مما يفرقهم. لكن يجدر التنبه هنا إلى أن التبعات الإيجابية لوحدة القطب الأكيدة هذه قد بقيت لحد الآن مبخسة القيمة إن لم نقل مهملة تماما.

بيْد أن المقدرات الدبلوماسية والإستراتيجية الهائلة لهذه الخصوصية الاستثنائية قلما يتم استغلالها على النحو الأمثل، وبالرغم من تعاقب صيحات الإنذار وإلحاح الحاجة فضلا عن تأزم الأوضاع السياسية وتشابك النزاعات المقلقة والناشبة في مختلف أنحاء المنطقة، لم تجر الاستفادة منها بما يكفي علي الوجه الصحيح مع أن الإشكالية الراهنة تستدعي بكل وضوح اللجوء إلى أي عنصر استراتيجي من شأنه تهدئة التوترات وتقريب المواقف لإيجاد  أدنى حد من التوافق اللازم لإجراء حوار بناء ومثمر.

إن العمل علي تفعيل هذه المقدرات الاستثنائية المقومة والمنظمة[19] في آن واحد سيسفر لا محالة عن أفضل النتائج ليس فقط بالنسبة لتطور منطقة الشرق الأوسط وإنما بالنسبة لمسار عالمنا المعاصر علي وجه العموم.

وهذا الخيار سيفتح دون شك آفاقا جديدة وبالغة الثراء أمام بناء مستقبلنا بشكل توافقي وقابل للسيطرة والتحكم.

 وعليه فإنه لمن المناسب- ولعل ذلك من المستعجل أيضا- أن نسعى جاهدين من أجل التمكين من السير  في هذا الاتجاه[20].

 والحال أن الإفراط في التردد والحذر أو التشبث الأعمى بعلمانية شكلية ومفرطة، قد منع منظمة المؤتمر الإسلامي ومنظمة الأمم المتحدة، أو أي منظمة إقليمية أو دولية أخري، من الاعتماد على العامل الأساسي الذي تطرقنا له آنفا (أي البعد الروحي[21]) وما قد ينجم عن أخذه في الاعتبار من فوائد جمّة وآثار فعالة.

فكل ما له صلة بالدين يبدو – موضوعيا – أن من اللازم تنحيته بدافع خوف لا يستند إلى عقل ولا منطق، أو على الأقل النظر إليه بعين الريبة والحيطة. ولربما يشكل هذا الموقف المتحفظ تجاه الدين، أو حتى المعادي له، أحد أقوى مصادر الجمود والتعصب. صحيح فعلا أن الإقصاء والمقاطعة كمنهج لا يصدران عن رأي متبصّر.

ثم حصل ما هو أدهى وأمر حين اختلط الحابل بالنابل وجري الخلط المتعمد ما بين الصالح والطالح، فتولد عن ذلك ردة فعل متطرفة آلت ضمن عناصر أخرى إلى تهيئة الأرضية المواتية لظهور العنف والإرهاب.

لقد تطرق كاتب هذه السطور باختصار لهذه الظاهرة في ورقة حررها سنة 1994 على خلفية البيروسترويكا(perestroïka)  وفي أعقاب حرب الخليج الثانية. وفيها أكد الأهمية التي يكتسيها في نظره البعد المشار إليه آنفا[22] مع التبيان الجلي للفاعلية التكتيكية والمزايا الإستراتيجية الوفيرة لهذا البعد.

إن هذه الوثيقة المعدّة قبل أكثر من عشرين سنة والتي تبرز، بعد عجالة مقتضبة حول أهم معالم الظرفية السائدة آنئذ (مع أن كثيرا من عناصرها ما تزال ماثلة حتى اليوم)، توضح أننا "يمكننا[23] بدورنا، انطلاقا من التطلعات العميقة لشعوبنا ومن مصالحها المؤكدة، أن نقترح- في إطار التبادل المفتوح والشمولي والكوني الذي أصبح ضرورة أكثر من أي وقت مضى- قراءات جديدة تدمج متطلبات التفعيل والحرص على التكيف كتعبير عن التسامح وكمعيار للفاعلية"[24].

وتضيف الوثيقة أن المملكة العربية السعودية متى أنزلت في المكانة اللائقة بها سيكون بمقدورها أن تضطلع بقوة بدورها البناء في ترسيخ الاعتدال ليس فقط في وجه التنامي الخطير لأكثر الجماعات المتشددة ظلامية وتخريبا[25] ولكن أيضا في وجه أطروحات وخيارات بعض تيارات الإسلام السياسي المتسمة بالضبابية  وعدم الصلاحية أحيانا والتي يطبعها حسب ما يبدو جليا ضيق مخل في فهم الأوضاع ونقص حاد في النضج والحنكة السياسية كما تتأثر سلبا بسوء تقدير أصحابها  للواقع المعيش ولتعقيدات الظرفية الراهنة ونظرا لنقص انفتاحهم ونضجهم وعدم إدراكهم بما يكفي للحقائق و التوجهات الراهنة.  

إن هذه التيارات باتصافها في بعض الأوقات بالتزمت وعدم التسامح واتخاذها مواقف شبه مبدئية متطرفة تميل بصفة واضحة إلي السجالات النارية الحادة والمسارات المتطرفة والعنيفة قد جرت مقارنتها في بعض الحالات ببعض المجموعات الإرهابية. وهذه التهمة التي قد يكون لها ما يسوغها وقد لا تستند إلى دليل كثيرا ما يوصم بها الإسلام السياسي عن حسن نية أو بقصد الإساءة إليه.

ومن بين الجماعات التي تجسد مثل هذه التيارات بعض المجموعات المسلحة الشيعية الأكثر قوة وهجومية والتي يثار حولها العديد من نقاط الاستفهام، خاصة وأنها تعمل بإيعاز من قوة خارجية تغدق عليها دعما سخيا لتكون ذراعها الضارب ومنفذة لمخططاتها التوسعية في المنطقة.

إن المملكة العربية السعودية انطلاقا من رسالتها الطليعية المتمثلة في حماية السلم والأمن العالميين لتعني أكثر من أي جهة أخرى إقليمية أو دولية بالحفاظ على الصورة النقية للدين الإسلامي الحقيقي.

وعندما تتبوأ مكانتها الطبيعية على رأس الأغلبية الساحقة من المسلمين الذين لا يوازي استنكارهم للفظائع التي ترتكبها عصابات من أنذال المجرمين[26] إلا حرصهم الشديد على استتباب الأمن والسلام وتطلعهم البالغ إلى ذلك فإن المملكة العربية السعودية تعتبر مؤهلة أكثر من أي كان لتقديم مشاركة أساسية لمواجهة وتقويض النظريات والممارسات التي يصطلي بنارها المسلمون قبل غيرهم، والتي تتناقض تماما مع معني ومبني الإسلام الحقيقي الذي رفع قيم الوئام والرحمة إلى مصاف الثوابت والأركان، ولتقديم مشاركة أساسية وفاعلة من أجل إبطال مفعول ما ينشره المتشددون على "أرض الرجال"[27] من أبشع ألوان الظلم والعنف ودحضه النهائي سواء على المستوى النظري أو علي المستوي العملي.

واعترافا بهذا الدور الذي يجب تصوره وتقديمه على أساس كونه تعبيرا واضحا عن إرادة الإسهام الفعال في بروز النظام العالمي الجديد القائم على العدل والرفاهية والذي يتعين بناءه[28]، فإن هذا البلد سيُجنَّب الانتقادات الحادة والعنيفة والحملات الرامية إلى زعزعة الاستقرار – إذ لم يعد لها مبرر[29] -، وهي حملات تثار من حين لآخر تحت ذريعة فهم خاص للدفاع عن حقوق الإنسان وعن ترقية الديمقراطية والحرية.

ومن اللازم اعتبار الطابع الإسلامي المحض لهذه الدولة والخصوصيات المرتبطة بخدمة الحرمين الشريفين. وينبغي أن يتنبه الغربيون إلى هذه الحيثية من خلال المقارنة بين هذه الصفة ووضع حاضرة الفاتيكان[30]، ليستثنوا المملكة العربية السعودية من محاولات التدخل في شأنها الداخلي ويسلموا باحترام نظامها السياسي والإستراتيجي والقبول به خارج دائرة "الضغوط من أجل التغيير" والإلحاح على انتهاج بعض صيغ "الانفتاح" المبالغ فيها.

وتقترح نفس الوثيقة في الختام انتهاج مقاربة تهدف إلى اعتماد ودعم تلك الصفة وذلك الدور من قبل غالبية دول العالم الإسلامي.

ومن هذا المنظور، يجدر اتخاذ أقصى قدر من الحيطة والحذر لتجنب أنواع الصدامات التي تجرها في مخرها عولمة طاغية والتي تميل باطراد إلى تجاوز الدوائر الاقتصادية والمالية لتشمل أكثر فأكثر الحقول السياسية والإستراتيجية.

وما تلك الصدامات في مجملها إلا تجسيد للتنامي الحثيث لتقنيات الإعلام والاتصال الجديدة. ذلك أن تسارع وتيرة نمو هذه التقنيات يجعل من الصعب الإحاطة بتأثيراتها على الأصعدة الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية والتحكم فيها بصفة مرضية.

وبهذا نكون اليوم غارقين في عالم افتراضي قد يحجب عنا الواقع ويدفعنا في آخر المطاف إلى اعتبار ما هو ظرفي أو مظهري بمثابة حقائق مؤكدة.

ما من شك في أننا نشاطر شركاءنا حاضرا معيشا وبمقدورنا – بل ومن واجبنا – أن نعمل إلي جانبهم على بناء مستقبل زاهر ومشترك إلى أقصى حد ممكن ننعم فيه جميعا بالرخاء والرفاه. أما الماضي فهو بطبيعته قد ولى بلا رجعة وانصرم عهده. و بذلك فهو غير قابل للنمْذجة والتنميط، ولا دخل فيه بالتالي للعولمة.

وهكذا، فإن الماضي يعد من الثوابت التي لا سبيل لنا إلى تحويلها ولا إلى تبديلها. فماضينا ملك لنا لا يمكن أن نتقاسمه مع الآخرين كما أننا لا يمكن أن نشاطرهم ماضيهم إلا من خلال التقاطعات التاريخية المشتركة بيننا وبينهم وبشرط أن يكون هذا الإلتقاء بين مساريْنا بالعمق و الديمومة الكفيلين بخلق مستقبل تضامن موضوعي حقيقي ومؤثر إلى درجة تترتب عليها وحدة مصير واضحة وكافية لرسم معالم واقع حضاري فعلي.

إن مشاريعنا للتحسين والاكتمال ستتأسس على الحاضر حصْرا ولن تتوجه إلا صوب المستقبل مع أنها لابد أن تأخذ الماضي في الاعتبار. ولئن أتيح لنا أن ندبر شؤون حاضرنا وأن نعمل بقدر من الفاعلية على خلق مستقبلنا، فإننا نبقى مع ذلك نتاجا لماضينا ومحصّلة له. ومن المستحيل أن نتجاهل هذا الماضي الذي يشكل الموروث الخاص لكل شعب وعصارة جهود أجداده ولباب حضارته[31].

لا يمكن لأي مسار مهما كانت أصالته أو تقدمه أن ينطلق من عدم. كما أن من غير الإنصاف- بل من المستحيل أيضا- أن نفرض على قوم دروس وعِبَر قوم آخرين وخصوصيات تاريخهم لأننا بذلك نقحمهم في تجربة غير تجربتهم ونحملهم حملا على أن يكونوا مثلنا.

وقد يصف البعض هذه النزعة ب"الاستعمار الثقافي" أو الغزو الفكري.

إن هذا الميل المذموم إلى اعتبار المرء نفسه قدوة- وهو انحراف موغل في القدم- وحمله الناس على اتباعه في جليل الأمور وحقيرها، ينبغي دون شك إعادة النظر فيه. إنه نوع من النرجسية المستبطنة التي ترسخت إلى حد أنها أصبحت لاشعورية ويلزم رفضها بالتأكيد. وهذه النزعة التي تدفع الإنسان إلى نصب نفسه أنموذجا يُحتذى مثيرة للقلق لأنها مصدر للحيف وعدم التسامح حيث تحيل على عقدة التفوق سيئة الذكر وتعيد إلى الأذهان طغيان الأقوياء الميالين إلى فرض سيطرتهم على الضعفاء.

ذلك أن الاحترام الصارم للآخر، وللاختلاف على العموم، وكذلك احترام كل الشعائر، وخاصة حرية كل معتقد وأتباعه، يفرض على الجميع – كشرط لا غنى عنه للتعايش المنسجم والسلمي في عالم ليس كما يحلو للبعض "قرية كونية" ولكنه منفتح بشكل لم يسبق له مثيل وحيث قلصت ثورة المواصلات وبالأخص الاتصالات بشكل كبير الفوارق والمسافات، لا يمكن لقيم مثل العلمانية، وهي تفهم حصرا- وخطأ- على أنها رفض للدين أو حتى تبرؤ من كل دين، أن ترفع- يا للمفارقة!- إلى مقام الديانة ويصبح من الإثم بل من الكبائر والردة ممارسة الطقوس الدينية أو حتى أي إحالة إلى الدين.

أما الإسلام وسلطاته وأتباعه فيعلنون دائما وأبدا اعترافهم بحرية المعتقد وبوجوب احترام شعائر كل عضو من أعضاء العائلة الإنسانية.

فالقرآن الكريم يصرح بأن "لا إكراه في الدين"[32]، ويقرر هذه الحقيقة: "ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا، أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين؟".[33]

ومن ينسب الإسلام كدين أي مشروع لفرض الإيمان به عن طريق استخدام القوة فإنه ينبئ عن جهل مطبق بهذا الدين أو عن إرادة مبيّتة لقلب الحقائق وتزييفها تنفيسا عن حقد دفين أو بدافع تعصب أعمى.

وبالقدر ذاته من التأكيد، يحرص الإسلام على صون النفس البشرية، إذ ينص القرآن الكريم على أن "من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا".[34]

ولا يغير من هذه الحقيقة شيئا أن يرتكب مجرمون أنذال فظائع باسم الإسلام، وهو منها براء، كما أن الإسلام والمسلمين – مثلهم مثل بقية العالم - لا يتحملون جريرة هم أول ضحاياها والمكتوون بلظاها بصورة مضاعفة حيث ينالهم التقتيل مباشرة ويتضررون من ردود الفعل المسرفة في التعميم على ظاهرة الإرهاب الممقوتة.

ومن المعلوم أن المسؤولية في الإسلام فردية ولا يؤخذ أحد بذنب غيره. فلا يكفي أن ينتسب شخص أو فريق إلى الإسلام لكي تتحمل الأمة الإسلامية بأسرها وزر تصرفاته.  

فالقرآن الكريم يقرر بصراحة أن "لا تزر وازرة وزر أخرى".[35]

وبالمقابل، يتحتم على المسلمين أن يتعاونوا مع جميع الأشخاص أو الجماعات – مسلمين كانوا أو غير مسلمين – لقتال كل من يعتدي على الناس بغير الحق، وينشر الرعب والفوضى في العالم، أو بتعبير آخر يمارس العنف والإرهاب.

وفي ذلك يقول الله تعالى: "وتعانوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان".[36]

وتأسيسا على ما سبق، فلا غرابة أمام تهديد واضح ووشيك إلى هذا الحد أن نرى المملكة العربية السعودية ترد بالشكل الذي تعاملت به مع هذا الوضع الخطير. فضمان أمنها وأمن حلفائها في منطقة الخليج، وواجب نصرة الجار المستغيث بدعوة ملحة من حكومته الشرعية، وأخيرا رفض تفشي الكوارث والقلاقل التي لا يمكن أن تؤول إلا إلى حالة لا تطاق من انتشار الفوضى العارمة والتدهور الرهيب على حدود المملكة العربية السعودية نفسها، كل هذه الاعتبارات تستدعي وتبرر التدخل الذي يعتبر نظرا لجميع الأسباب السالفة الذكر أمرا لازما لا محيد عنه، ويجب بالتالي تفهمه بعمق، وتقديره حق قدره، ومساندته دون تردد.  

وبعد أن قدمنا هذه التوضيحات بشأن مختلف جوانب الإشكالية المطروحة وشتى الأطراف المشاركة فيها، ينبغي أن نشير إلى نسبية الاختلافات، أو بالأحرى التناقضات التي قد تظهر داخل معسكر رافضي العنف والإرهاب والذين بحشدهم كل الوسائل المطلوبة والمقدرات المتاحة يتعين عليهم، في جو من التشاور الدائم وعبر التعاون النشط والمنسجم، أن يعملوا معا على اجتثاث ظاهرة الإرهاب واستئصال شأفتها جذريا ونهائيا.

تجدر الإشارة بادئ ذي بدء إلى أنه، بغض النظر عن الظرفية بالغة التعقيد ورغم التحذيرات المتكررة، وتباين التفسيرات المقدمة، والطابع المتناقض ظاهريا للمقاربات المعتمدة، فإن بعض التجاذبات التي يبدو لأول وهلة أنها غير قابلة للتسوية قد يتم التغلب عليها شريطة أن تخضع لقواعد التحليل الدقيق والفهم الشمولي وأن تحظى بالمعالجة المنفتحة والديناميكية الكفيلة بالوصول إلى ما يناسبها من حلول توافقية وملائمة ومستدامة.

وبما أن الناس يتوفرون على قدرات متشابهة ويواجهون تقريبا نفس المطالب الاساسية  ونفس التحديات، فإن لديهم، لكل هذه الأسباب، نفس التطلعات، ويخضعون، رغم التفاوت الشديد في مستويات النمو ورغم التنوع الهائل للبيئات والظروف الموضوعية، لنفس القوانين العامة، ويتبنون نفس المبادئ التي لا يقبلون المساس بها.

وهكذا فإن لديهم نفس القيم الأساسية، وبالتالي يستطيعون أن يتصوروا وينجزوا مشاريع مشتركة طموحة وواعدة.

وتنطبق هذه القاعدة بطبيعة الحال على العلاقات الدولية كما تنسحب على المجالات السياسية والدبلوماسية والإستراتيجية.

إن هذه الهوية العميقة التي ليست آلية تلقائية ولا معادلة شكلية، أحرى أن تكون مبدئيا صفة مستقلة عن كل حتمية، هي – أخذا في الحسبان لجميع الاعتبارات – المصدر المحرك للتاريخ والدافع  إلى التقدم، وبكلمة واحدة هي مناط الفاعلية والإبداع.

وتكمن إمكانيات  التطور المنضبط والمحفز – شأنها شأن كل تقدم محرز – أساسا في الوعي بهذا التلازم النشط والفعال فيما بين التنوع الشكلي للحقائق الوطنية أو الإقليمية الخاصة، من جهة، وبين التماثل العميق، إن لم نقل الوحدة المتماهية، للاتجاهات الكبرى التي تحدد مسارات ووتيرة تقدم عالمنا، من جهة أخرى.

ولئن كانت القيم الكونية مشتركة في جوهرها وبالتالي مشاعة إلى حد كبير، فإن تجسيدها وعملية تنزيلها على أرض الواقع قد تتنوع كثيرا من بلد لآخر ومن منطقة لأخرى. وهذا التنوع ليس إطلاقا مؤشرا على العبثية ولا على الاختزال، وإنما هو بالعكس منطقي وسليم ومؤسس لحركة التاريخ. إنه تعبير عن مختلف الخصوصيات التاريخية أو الثقافية الإيجابية؛ وهو نتيجة طبيعية واعتيادية للتجارب والظروف الموضوعية التي تعيشها كل مجموعة بشرية على مستواها الخاص. وبذلك يحيل إلى عبقرية الشعوب ، وعلى الصعيد الشكلي ، يسهم في التمكين من تحديد الحضارات بعضها بالنسبة للبعض الآخر.

ويعتبر التنوع الحضاري مصدر إثراء متبادل وبما أنه مدعاة للتعارف ومعرفة النفس فإنه دعوة إلى التسامح واحترام الاختلاف، وحض في نفس الوقت على الحوار وربط العلاقات السلمية وبناء صروح الوئام والتقارب بما في ذلك تقارب القلوب.

وقد نصت آية قرآنية على المساواة المطلقة بين جميع أعضاء العائلة البشرية وعلى التماثل العميق في الوضع الإنساني حيث يقول الله تبارك وتعالى:

"يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم".[37]

وعلى هذا يكون الاختلاف بحد ذاته إيجابيا للغاية وتتأكد بوضوح وظيفته الديناميكية والمؤسِّسة. فالاختلاف موجود بالفعل لكنه لا يترتب عليه أي تفاضل ولا يضع حواجز فيما  بين الناس. وينحصر الفضل في التقوى التي تعود إلى المجهود الشخصي المتاح لكل أحد.

وفي حديث نبوي صحيح نجد التصريح بأن "الناس سواسية كأسنان المشط". فلا مزية إذن للعرق، ولا للغة، ولا للتكوين الجسدي أو للمنزلة الاجتماعية، ولا لأي صفة شخصية أو جماعية من أي نوع كانت.

فأي تعبير أوضح من هذا التعبير عن المساواة المطلقة الذي أطلق منذ أكثر من أربعة عشر قرنا؟ من ذا الذي يمكن أن يضاهي هذا الاهتمام بالانفتاح والتسامح؟

إن اتهام الإسلام كدين أو المسلمين كأمة بعدم التسامح أو بالتعسف أو بالإرهاب ينمّ عن جهل مطبق بالتعاليم الإسلامية إن لم يكن نابعا من مخططات جيو-استراتيجية غير معترف بها (لأنها شائنة) أو، ما هو أخطر من ذلك، صادرا عن مشاعر عنصرية قذرة وحاقدة تجسد بجلاء أشنع درجات انعدام التسامح، والغطرسة وحتى الميل إلى الإرهاب عند من ابتلي بتلك المشاعر.

ما الذي يعنيه هذا إن لم يكن أن من التضليل ومن غير المجدي إقصاء الدائرة الدينية، وبالأخص دائرة الدين الإسلامي الصحيح المتوازن والمسؤول، خارج حقل حل المشاكل التي تطرحها للإسلام وللعالم عصابات عنيفة ومعادية للحرية لا لشيء إلا لأن المجرمين المشكلين لها ينتسبون – باطلا بطبيعة الحال – إلى الإسلام أو، بكل بساطة، لمجرد وجود بعض الأشخاص المشككين في الدين من حيث هو.

إن المكافحة الناجعة للإرهاب والانتهاكات الفظيعة الناجمة عنه تعنى بلا ريب العمل على القضاء عليه حيثما ظهر، ولكنها تعني أكثر من ذلك وأده في المهد بالمعالجة الوقائية لأسبابه ووضع حد لأي تطور يمكن أن يؤدي إليه مع وقف حازم وسريع للتداعيات التي من شأنها أن تقود إلى التطرف و الإرهاب.

ألا يُعد من باب تهيئة الجو للإرهاب وتشجيعه موضوعيا القبول بأن تستولي مجموعة طائفية متعصبة على السلطة بقوة السلاح وأن تستحوذ على مقاليد بلد بكامله وتنقلب على سلطته الشرعية ثم تشرع في تهديد جيرانها واضعة أمن المنطقة والعالم في مهب الريح؟

إن المملكة العربية السعودية، بغض النظر عن الاعتبارات الأخرى من سياسية وأمنية وإستراتيجية المبينة في الفقرات السالفة، لا يمكن- بل لا يجوز- أن تترك لوضعية كهذه الحبل على الغارب. ولا أن توافق على مثل هذا الهبوط نحو الجحيم، وعلى المنطقة والعالم بأسره أن يكونا مُمْتنين لها.

وعليه فإنه لمن الجهل بالواقع الحقيقي ومن سوء تقدير الوضع القائم أن يفسر تدخلها بدافع التنافس التقليدي ما بين السنة والشيعة، وهو أمر يستدعي طرحه التحلي بقدر كبير من  النسبية، أو أن  يحصر في مجرد الحرص على تحقيق الأمن الوطني وفرض النفوذ، أو بأي ذريعة أخرى لا تراعي أبعاد الوضعية الفعلية والرهانات العميقة للمسألة.

فلا بد لكل مراقب متنبه يعي تاريخ المنطقة وظروفها الاجتماعية والاقتصادية أن يدرك بجلاء بداهة سخف الادعاءات المبتذلة المنافية للوقائع التاريخية والتي لا تنطوي على أي تأثير سياسي ذي بال.

ويتحتم الاعتراض على مثل تلك الادعاءات الزائفة التي تفندها بما لا يدع مجالا للشك المواقف المعلنة صراحة والمبادرات الفعلية التي يتخذها هذا البلد العظيم.

أما بخصوص الخلاف بين السنة والشيعة – وهو خلاف قديم قد شهد بالتالي سلسلة طويلة من التسويات الودية خلال الصدامات والنزاعات القليلة التي حسمت بتراث فقهي وقضائي وفير – فلم يصل قط إلى هذا النطاق أو ذلك الطابع الرهيب وهذه القطيعة المنذرة بنيويا بالتفجر والتي يراد لها اليوم أن تسود بين السنة والشيعة.

وحتى على الصعيد المذهبي البحت، يظل هذا الخلاف أكثر سطحية وأقل حدة من الخلاف الذي نشب مثلا في العالم المسيحي بين الكاثوليك والبروتستانت الذين تربطهم اليوم علاقات ودية مع أنهم خاضوا في الماضي حربا أهلية ضروسا وحروبا خارجية ضارية[38] مثلت من حيث مدتها وحصيلتها الدامية على مدى بضعة عقود فقط دمارا أكبر بكثير مما خلفه الصراع بين السنة والشيعة على مدى أربعة عشر قرنا.

وقبل "الثورة الإسلامية الإيرانية"[39]، لم ينشب طيلة القرن العشرين أي صراع مسلح بين السنة والشيعة ولا حتى ما يمكن أن يعادل النزاع في إيرلندا[40] رغم انحصار هذا الأخير محليا.

ولا تهدف هذه المقارنة التي سقناها عرَضا إلا لتبيان الحجم النسبي لشحنة الصراع لدى تصارع لا تحركه – لولا مخططات الإقصاء والسيطرة المدسوسة فيه – دوافع الضغينة والعداء التي يريد البعض، بفعل التبسيط المفرط أو نقص التعاطي الكافي مع الحقائق الدينية والثقافية للمنطقة، أن يفسر به الأحداث، إن لم يكن ذلك لأغراض مشبوهة نابعة من سوء الطوية.

ومهما يكن فلم تتعرض المملكة العربية السعودية قط بأذى لأي بلد أو لأي تيار ديني أو سياسي مهما كان. بل بالعكس، سعت دائما إلى رأب الصدع وإصلاح ذات البين وجمع الفرقاء المتصارعين على كلمة سواء كما حدث إبّان الأحداث المؤسفة خلال الحرب الأهلية اللبنانية في أواخر سبعينيات القرن الماضي. ذلك أنها لم تأل جهدا لوقف النزيف بين الأشقاء حتى استطاعت أن تحقق النجاح المعروف في وضع حد لأزمة خطرة وبالغة التعقيد، ثم بادرت فور انتهاء العمليات الحربية إلى الإنفاق بسخاء على إعادة إعمار البلد الذي أنهكه التدمير والتقتيل طيلة عقد من الزمن.

وما أنجزته المملكة العربية السعودية في لبنان استفادت منه جميع الطوائف[41] دون استثناء ودون أدنى تمييز، وهو ما تشهد عليه كل الأطراف التي كانت متنازعة حينها.

وفي نفس السياق، باشرت مؤجرا وبشكل واضح الدعم النوعي والكمي للقدرات الدفاعية للجيش اللبناني[42] مع أنه مشكل من مختلف الطوائف، وذلك لكي يتسنى له – بعيدا عن أي اصطفاف ديني أو أيديولوجي – أن يواجه تبعات الزلزال السوري ودوامة العنف الدائر في العراق، وأن يدافع عن سلامة الأراضي اللبنانية ويصون أمن واستقرار هذا الشعب المتعدد الطوائف والمذاهب.

مدار الأمر إذن ليس على الانتماء إلى طائفة بعينها أو إلى نزعة دينية مخصصة سواء كان انتسابها إلى الإسلام أو إلى غيره.

ما ترفضه المملكة العربية السعودية، وهي علي صواب في رفضه، هو استبداد طائفة معينة عن طريق العنف وبدعم من دولة خارجية وفرض سيطرتها على المجموعات الأخرى، سواء كان ذلك في سوريا، أو في العراق، أو في اليمن، أو في أي بلد آخر.

ما ترفضه هو أن ترتهن مصير لبنان أو سوريا أو العراق أو اليمن أو أي دولة أخرى قوة خارجية باستخدام مليشيات ظلامية عنيفة ومتعصبة، بهدف تكريس هيمنتها وتطبيق أجندتها وأهدافها التوسعية على حساب الطوائف ذات الأغلبية، مما يفصم عرى اللحمة الوطنية ويهدد أمن المنطقة بأسرها.

بالفعل، لا يسوغ لأي كان أن يقبل الدسائس التي تحاك بشكل ممنهج لنسف استقرار منطقة بأكملها وتفكيك نسيجها الاجتماعي، بصرف النظر عن تنوعها الطائفي وتعدد مكوناتها التي لديها من الأسباب الموضوعية والتاريخية ما يدعوها لاحترام اختلافها والتعاون والتضامن فيما بينها.

ومن مصلحة المتهوّرين اللاعبين بالنار[43] أنفسهم أن يسود جو من الوئام والاستقرار على النحو الذي ذكرنا آنفا.

ويجدر بإسرائيل، رغم الحقد العدواني العديم الفائدة والمتخلف الذي يغذيه قطاع كبير من قادتها والتطرف المفرط في معاداة الفلسطينيين والعرب الذي تمارسه شرائح واسعة من "نخبتها" السياسية، أن تتحول إلى هذه المقاربة المجدية لتدرك أخيرا أن الحلول الدائمة والناجعة هي التي تكمن أصلا في صفاء الطمأنينة الذي يضمنه التفاهم و السلام. وذلك ما لن يتحقق أبدا في ظل الصراعات الدموية المزمنة ولا تحت أنقاض الخراب والاجتياح المدمر.[44] 

إن احترام الحقوق المشروعة للآخر، والاعتراف الصريح بخصوصياته الثقافية أو الوطنية، ومشاطرته مشروع وئام وسلام على الصعيدين الإقليمي والدولي، وكذا الانخراط معه في عهد جديد من التفاهم – ولم لا؟ - من التعاون المثمر والتضامن النشط، كل ذلك يشكل بالفعل الضمانة الوحيدة لمستقبل عادل بما يكفي ومحفز لمجموع سكان المنطقة ومن خلالهم للإنسانية جمعاء.

ولا نفتأ نكرر أنه لا توجد "حرب دينية"[45] في منطقة الشرق الأوسط وبالأخص في الجزيرة العربية.

ومن يستغلون تلك الحساسيات، سعيا إلى زعزعة استقرار جيرانهم وبث الفوضى والأحقاد معروفون تماما ومنذ البداية وترصد تحركاتهم التخريبية بدقة ويتم تتبع أساليبهم العملياتية ونتائجها الوخيمة بحيث لا يبقى لبس ولا غموض في التعرف على هوياتهم.[46]

وباستغلال وقح لتردي الأوضاع في العراق، وللفصول الدامية للمأساة السورية، وللظرفية المتسمة باستمرار الفوضى العارمة في اليمن وما تستتبع من إضعاف للدولة المركزية، يبدو أن "منظري" الخراب والدمار أرادوا أن يطلقوا لمكائدهم العنان.

ففي العراق وسوريا تنتشر علنا ميليشيات شيعية مسلحة إلى جانب القوات الحكومية، وتتورط جهارا، تحت غطاء محاربة الإرهاب[47]، في التنكيل الممنهج بالسكان السنة.

 وفي الوقت نفسه يطيح الحوثيون بالحكومة الشرعية في اليمن ويندفعون، ضمن موجة من التقتيل والتدمير، في اجتياح البلد بكامله وإطلاق التهديدات الصريحة ضد المملكة العربية السعودية.

بات من الواضح إذن أننا أمام مخطط شمولي ومنسق لقلب الأوضاع رأسا على عقب، وهو أمر يستدعي مواجهة سريعة وحاسمة.

وإنه لمن الخطل البيّن وقصر النظر الإستراتيجي أن لا نرى في التدخل السعودي باليمن سوى مظهر من مظاهر التنافس بين السنة والشيعة، وهي سيمفونية مكررة مجّتها الأسماع.

على العكس، يجب أن توضع المبادرة التي أوردنا آنفا أهم معالمها في سياقها الجيو- سياسي الحقيقي قبل التطرق إليها ضمن رؤية إستراتيجية أكثر شمولية.

أما التلميح بأن المملكة العربية السعودية لم تتصرف إلا بدافع من مقتضيات الأمن الداخلي الصرف أو أنها تسعى إلى توسيع  دائرة نفوذها أو غير ذلك من البواعث الآنية والمفاجئة، فهي ادعاءات لا معنى لها في الحقيقة.

فعلى الصعيد الداخلي، لا يعاني هذا البلد من أي توتر يتطلب- كما يحدث أحيانا في بلدان أخرى- القيام بحملات عسكرية خارجية لصرف أنظار الرأي العام الوطني عن مشاكل داخلية خطيرة.

فالواقع أن المملكة العربية السعودية لا تواجه أي مشكل داخلي تستدعي مجابهته تحمل أعباء ومشاق مغامرة خارجية. فشعبها يتمتع بجميع حقوقه ويحظى بمستوى من الطمأنينة والأمن لا نظير له في بلدان مصنفة على أنها تحكمها "دولة القانون" ويفترض أنها تمارس "ديمقراطية مثالية".

فالشعب السعودي لا يخضع لأي سيطرة استبدادية ولا لأي اضطهاد، ولا يعاني أي إقصاء تعسفي، وبالتالي فهو لا يطالب بـأي "انعتاق" ولا بأي مزيد من "الحرية" تثير طبيعته أو حدته مخاوف أو قلقا من أي نوع.

إنه يعيش في انسجام مع دولة وطنية تسخر نفسها حقا للاهتمام بشؤونه ولخدمته في جو من الوئام المبني على قاعدة الحوار والتشاور بين الحاكم والمحكومين في جميع مسائل الشأن العام بطرق وإجراءات مخصوصة بطبيعة الحال[48] تشكل حقيقة واقعية، عادية ويومية، وليست استثنائية ولا ظرفية.

وعلى جميع تراب المملكة العربية السعودية المترامية الأطراف، ينعم المواطنون والمقيمون بأمن تام للأشخاص والممتلكات، والأهم من ذلك بالنسبة لهم، للعرض والكرامة، ولا يوجد أي تقييد لحركة الناس والسلع. ويتمتع جميع المواطنين بالنفاذ الشامل إلى خدمات التربية، والصحة، والإعلام، وغيرها من الخدمات الأساسية دون تمييز أو إقصاء.

وفي كل أرجاء المملكة محاكم مستقلة تقضي بالقسط دون تفرقة بين المتقاضين.

إلا أنه من الجدير بنا أن نشير إلى أنه في بلد سكانه مسلمون 100% منذ أكثر من أربعة عشر قرنا، ويحتضن، علاوة على ذلك، الأماكن المقدسة لإحدى أوسع الديانات انتشارا، يكون من المشروع والمنطقي، طبقا لإجماع السكان، أن يعتبر الإسلام المرجعية العليا في التشريع لأنه اللحمة الناظمة للتماسك الاجتماعي والقانون الأسمى الذي يطالب السكان أنفسهم بالاحتكام إليه.

لكن لنكن واضحين! فالأمر لا يتعلق بأي حال من الأحوال بما يسمى "الإسلام السياسي" ولا بتلك القراءات المتشددة والمتزمتة التي تؤدي في الغالب إلى عدم التسامح وتقود، في الأخير، إلى الإرهاب.

إن الأمر يتعلق بالإسلام الصحيح الذي هو في جوهره انفتاح وتسامح ورحمة ودعوة ملحة إلى التقارب والتوحد والسمو إلى أعلى المقاصد والذي يحترم بالضرورة الآخر والحريات والاختلاف وينسجم بتناغم تام في العائلة الإنسانية الكبرى ويوجب بجلاء احترام الحقوق الأساسية، وتنفيذ سائر الاتفاقيات التي صادق عليها تنفيذا كاملا. إنه، بكل بساطة، يعمل بثبات وبدون تحفظ، إلى جانب جميع من يسعون إلى إقامة الطمأنينة والقسط، علي إشاعة السلام ومن اجل إبراز عالم عدل ووئام وتفاهم يضمن بحق ازدهار وسعادة كافة سكان الأرض

طبقا لنظام توافقي قائم على تعاليم الإسلام، الدين الذي يعتنقه جميع المواطنين، تعمل السلطات السعودية دون كلل وبقدر عال من الفاعلية على تحقيق الرفاهية التامة والشاملة لشعبها والتنمية المستمرة والمتوازنة لبلدها، مع تطوير علاقات ثقة بناءة مع غالبية الحكومات على أساس الثقة والوئام والتضامن. وعلي الدوام تتجنب المملكة العربية السعودية التدخل في الشؤون الداخلية لأي بلد وتحرص على احترام سيادة واستقلال جميع الدول. ويقدر الجميع المشاركة السخية والدور المعتدل والمنصف الذين تضطلع بهما بكل جدارة ودون مقابل من أجل حل النزاعات الإقليمية والدولية.

وهكذا لم تلجأ المملكة العربية السعودية قط للهروب إلى الأمام ولا لاتخاذ مبادرات خارجية بمجرد دواعي تسوية أوضاع أمنية ذات طابع داخلي صرف. ومثل هذه التصرفات التي اصطلت أحيانا بلظاها[49] بسبب مغامرات غير محسوبة أقدم البعض عليها واضطرت لحماية نفسها منها مكرهة تعد، على كل حال، بعيدة كل البعد عن تصوراتها السياسية والإستراتيجية وتتناقض تماما مع قناعاتها الأخلاقية. فهي لم يكن لها في يوم من الأيام أطماع توسعية ولا رغبة في السيطرة وبسط النفوذ على الآخرين.

ذلك أن تلك الأساليب التي طالما نددت بها تتنافى مع مقاربتها للعلاقات الدولية وتتناقض مع دفاعها المستميت عن استقلال وسلامة أراضي جيرانها كافة.

وبمقدور بلدان المنطقة وغيرها من الدول أن تشهد على جودة العلاقات التي تربطها بالمملكة العربية السعودية، والثبات الذي تتسم به هذه العلاقات في ظل الاحترام واللباقة.

وبالنسبة لتدخلها في اليمن، لا يمكن – طبقا لما أسلفنا – افتراض أي دوافع أخرى غير تلك التي أعلنت عنها السلطات السعودية نفسها بكل وضوح.

إن هذا التدخل المبرر بإسهاب و الذي لا ريب في جدوائيته وضرورته ليحمل في طياته تباشير واعدة ودلالات عميقة، فضلا عن أنه – كما ألمحنا سابقا – يشكل استجابة تضامنية وأخوية لنداء استغاثة أطلقته حكومة شرعية في بلد شقيق وجار يتعرض لهجمة شرسة تقودها أقلية متعصبة تمارس العنف وتعمل بإيعاز من معتد خارجي لا يستهدف اليمن فقط بل العالم العربي برمته ومجموع الأمة الإسلامية، ويهدد بالتالي السلم والأمن العالميين.

وعلاوة على ذلك، من غير المعقول أن تتغاضى دولة ما عما يجري على حدودها من تحركات لقوى طائفية ديْدنها التشدد والإقصاء وبث الفوضى وعدم الاستقرار، لا سيما وهي تجاهر بعدائها لها وتتربص بها الدوائر وتصدع بإرادتها المبيتة للتوسع والهيمنة.

فلا وجه للاستسلام والانقياد لمثل هذه القوة الغاشمة وللقبول بسقوط المنطقة في حمأة القلاقل وأتون الشغب والاضطراب وبانغماسها نهائيا في دوامة من الارتداد و البلبلة.

والحال أن المملكة العربية السعودية بحكم منزلتها ودورها المتميز على المستويين الإقليمي والدولي ونظرا لواجب حماية اليمن من التفكك وضرورة الحفاظ على الأمن المحلي  والعالمي، كان لا مناص لها من التدخل.

ولولا أنها اتخذت القرار في الوقت المناسب لكان قد سبق السيف العذل وبأسرع مما كان متوقعا. وهو أمر لا يصب في مصلحة أحد. لا في المنطقة ولا خارجها. فهناك من التداعيات ما ينبغي حسمه بلا تأخير ودون تردد خشية التردي الدائم في حضيض العسف والمغامرة، وبالتالي الارتكاس إلى درك الانحطاط والتلاشي.

هكذا إذن، تدخلت المملكة العربية السعودية لا لصالح اليمن فحسب وإنما كذلك لفائدة المنطقة كلها ولإرساء دعائم العدل والرخاء في عالمنا. تدخلت بإملاء من واجب التضامن وبدافع من دورها الرائد. وأي تأويلات أخرى لا تعدو أن تكون تخرّصات مغرضة.

لم تتدخل المملكة العربية السعودية في اليمن إلا لغرض الحفاظ على السلام، سلام حقيقي ودائم يحترم الشرعية والوحدة الوطنية ويضمن لكل مواطن حقوقه وحريته وكذا الشأن بالنسبة لكل طائفة، سلام يسهم في استتباب الأمن وترسيخه على المستويين الإقليمي والدولي. هذا هو السلام الذي تسعى المملكة العربية السعودية بصدق وإخلاص إلى تحقيقه وتأمل أن يتم التوصل إليه في أقرب الآجال بمشاركة الأطراف اليمنية كافة دون إقصاء ولا استثناء. من أجل اليمن واليمنيين بعيدا عن أي ارتهان أو تدخل للأجنبي، وبدون إشراك للإرهابيين، وهذان الشرطان الأخيران يكتسيان بالنسبة لها كما بالنسبة لمقتضيات الأمن الإقليمي والدولي أهمية خاصة.

وبذلك يكون التدخل السعودي بلا ريب موفقا، ومشروعا، وضروريا. وكل الدلائل تشير إلى أن هذه المبادرة تحمل مغزى خاصا وأساسيا سيُبْديه قادم الأيام.

وبالنظر إلى ملاءمة هذا التدخل والمكانة المتميزة لفاعله ضمن منظومة الدول الإسلامية، فإنه بالتأكيد يكتسي معنى في غاية الأهمية بالنسبة للمنطقة وللعالم وطابعا أصيلا لم يسبق له مثيل وليس له نظير.

وقد لا نبالغ إذا جزمنا بأن هذا التدخل سيشكل، بالنسبة للإرهاب الموسوم بالإسلامي، بداية انحسار مطرد وسيكون إيذانا بدخول المنطقة والعالم في مرحلة جديدة من التشاور والوئام والسلام على الصعيدين الإقليمي والدولي.

إن مكانة ودور المملكة العربية السعودية في هذا المجال ليمثلان عنصرا فريدا وأساسيا من عناصر صنع السلام يستحيل بالفعل استبداله أو الاستغناء عنه.

فليس بإمكان أي محور أو أي تحالف جديد أن يحل بجدارة محله أو أن يقوم مقامه علي نحو مقبول[50].

وبناء علي ما تقدم فان فتح أي نوع من آفاق الأمن والسلم الحقيقية لا يمكن بحال أن يتجاهل هذا العنصر أو أن يحجم عن أخذه الفعلي في الحسبان[51].

تأسيسا على ما سلف من اعتبارات، تتجلى المكانة السامية التي تتبوأها المملكة العربية السعودية والدور الحيوي المنوط بها، وهو ما يستدعي التنويه والتقدير[52] لهذه المكانة وذلك الدور والعمل على تعزيزهما. وسيكون لذلك دونما ريب أطيب التأثير علي سكينة وطمأنينة المنطقة والعالم.

 

الاحالات:

[1]  يربط مضيق هرمز الخليج العربي بخليج عمان.

[2]  يربط باب المندب البحر الأحمر بخليج عدن.

3 خليج عمان هو الممر المائي الضيق المحاذي لسلطنة عمان والذي يشكل الجزء الشمالي- الغربي للمحيط الهندي، ويسمى أيضا "بحر العرب"   أو "البحر العربي ".

[4] يمتد خليج عدن وهو أحد  خلجان المحيط الهندي بين جنوب الجزيرة العربية وشمال- شرق إفريقيا.

[5] أي العالم قبل اكتشاف قارتي أمريكا واستراليا ابتداء من القرن السادس عشر الميلادي.

[6] استهدفت البرستويكا أو حركة الإصلاح التي قادها غورباتشيف الأمين العام للحزب الشيوعي ورئيس مجلس رئاسة السوفيت الأعلى بالاتحاد السوفيتي- انطلاقا من عام 1985- إدخال مجموعة من الإصلاحات الاقتصادية والتحسينات في المؤسسات السوفيتية ألت إلي تفكك الاتحاد السوفيتي ابتداء من سنة 1991.

7 علي الصعيدين الاقتصادي والمالي، مثلت العولمة نزعة إلى إعادة تشكيل الساحة الاقتصادية العالمية من أجل فرض النموذج الغربي القائم على اقتصاد السوق على باقي أقطار العالم. وقد حمل لواء هذه النزعة تيار الليبراليين الجدد الذي أعلن بشدة، في العقد الأخير من القرن العشرين، رفضه التام لتدخل الدولة في الشأن الاقتصادي ودعي إلى ترك آليات السوق تعمل بعفوية. 

[8]  من خلال اتفاقيات الطائف الموقعة سنة 1989، اضطلعت المملكة العربية السعودية بدور أساسي في تحقيق المصالحة بين الفرقاء اللبنانيين مما وضع حدا للتناحر الذي استمر منذ 1975 ودفع البلاد إلى أتون حرب أهلية مدمرة. وفي أفغانستان قدمت دعما قويا للمقاومة من أجل التصدي للاحتلال السوفيتي (1979-1989). وفي سنة 1990، تضامنت بشكل نشط مع الكويت في مواجهة احتلال القوات العراقية وأسهمت بصورة حاسمة في تحرير هذا البلد عام 1991. وكانت قبل ذلك قد ساندت العراق في حرب الخليج الأولى (1980-1989) لمواجهة الغزو الأجنبي. أما بخصوص الأزمة السورية، فتندرج مساعيها في نطاق الشرعية الدولية.

[9]  أقامت المملكة العربية السعودية مع هذا البلد على الدوام علاقات حسن جوار قائمة على الاحترام المتبادل، والتضامن، والتشاور بشأن كل ما قد يهدد سلامة وأمن أي من البلدين (راجع الموقف السعودي من تهديد الحوثيين الأول). أما تدخلها الحالي فهو نابع من المنطق نفسه ويأتي استجابة لنداء السلطة اليمنية الشرعية ولدواعي تأمين المناطق الجنوبية للمملكة نفسها فضلا عن التصدي للعنف الإرهابي الصادر عن تيار متعصب للغاية وتحركه أياد أجنبية وفق مشروع هيمنة بالغ الخطورة ولا يمكن التغاضي عنه بوجه من الوجوه.

[10] وهي الطائفة التي ينتمي إليها الحوثيون، فالمشكلة مع هذه الجماعة ليست إذن مشكلة مذهبية وإنما هي سياسية واستراتيجية. ذلك أن الحوثيين حملة لواء دعوة متعصبة ترمي إلى التوسع والإقصاء وتأتمر بتوجيهات أجنبية تشكل تهديدا للجوار وللمنطقة بأكملها، علاوة على أن استيلاءهم على السلطة بالقوة وبطشهم بمواطنيهم من السنة أمران مرفوضان وتترتب عليهما عواقب وخيمة تنذر بانفجار الوضع. وهذا ما لا يمكن القبول به في اليمن ولا في غيره من البلدان.

[11] نقصد الأمة الإسلامية.

[12]  يوحي بذلك ما تقوم به الميلشيات الشيعية في العراق واليمن من انتهاكات رهيبة على أساس طائفي.

[13]   كما هو الحال بالنسبة للجماعة الإرهابية المسماة "الدولة الإسلامية" التي تزرع بذور الموت والخراب في سوريا المثخنة بالجراح وتروّج لأعمالها البشعة على الصعيد العالمي. ولا نكير أن المجموعات المتطرفة مهما تكن مشاربها العقدية لا يمكن أن تنمو إلا في جو من انعدام العدالة وتفشي الفوضى، وأيا كانت الفروق التي تمايز بينها فإنها تتحد في الأسباب المؤدية إلى ظهورها وتتشابه في أساليب عملياتها، ومن الأجدر أن تواجه، على الأقل بالنسبة لأكثرها عنفا، بالطرق الكفيلة بتطويقها وعلى المدى الأبعد بالوقاية منها ومكافحتها حتى يتم استئصالها نهائيا.

 [14] في اليمن أطاحت أقلية طائفية متعصبة بحكومة شرعية واستحوذت على مقاليد السلطة في البلد بقوة السلاح وأطلقت وابلا من التهديدات واللعنات على جيرانها، وبالأخص على المملكة العربية السعودية. ولئن ترك هذا الاعتداء الغاشم بغير رد فإن من شأن ذلك أن ينشر الفوضى في المنطقة ويحدث ارتكاسة وخيمة العواقب.

 [15] يتعلق الأمر باستباق الأوضاع والأحداث وبمدلول العمل الوقائي المشروع الذي ينبغي أن يكون متناسبا مع احتمالات الخطر المراد تفاديه طبقا للمقولة الشائعة: "لا يستقيم الحكم إلا بتقدير العواقب".

[16]  يكفي أن نشير في هذا الصدد إلى أعمال التوسعة الهائلة التي أنجزت في الحرمين الشريفين بمكة المكرمة والمدينة المنورة واستكملت تحت الرعاية السامية لجلالة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز (1923-2005). تغمده الله برحمته الواسعة.

[17]  من البديهي أن هذه المقارنة لا تكتسي سوى صبغة منهجية، لأن الإسلام، وبالأخص عقيدة أهل السنة والجماعة، لا وجود فيه – على عكس الكنيسة الكاثوليكية – لكهنوت قانوني ولا زمني. والمقصود هنا هو التبيان، مع الفارق، لهذه القداسة بحد ذاتها، لا سيما لغير المسلمين، مع اقتراح إمكانية توظيفها إيجابيا في إرساء ثقافة السلام من منظور استراتيجي وسياسي. 

[18] مجموع الهيئات التي تساعد البابا في  مهامه الحكومية. وهذه الهيئات تسمى أيضا "المشيخة الرومانية".

[19] نظرا لتأثير العامل الديني الأكيد داخل الأمة الإسلامية.

[20] وعلي وجه الخصوص من خلال الاعتراف بمكانة المملكة العربية السعودية الفريدة والعمل علي تقوية دورها وبث نفوذها الإيجابي عبر مقاربة تتسم بالصراحة وتنتهج التشاور والحوار أسلوبا وسبيلا.

[21] نتيجة للخوف المبالغ فيه من أي إحالة إلى المرجعية الدينية .

[22] أي الأخذ في الحسبان للمعطى الديني وكذلك للخصائص والميزات الجوهرية التي تحظى بها المملكة العربية السعودية و التي من شأنها إذا ما تم اعتبارها والاعتماد عليها أن تمكن باسم التدين الصحيح من الإسهام بشكل فعال في مكافحة العنف والتطرف، ومن ثم في مجابهة النفوذ السلبي الذي يمارسه- في مخالفة صارخة للتعاليم الإسلامية- -دعاة الفوضى وعدم التسامح والإرهاب.

[23]  ضمير الجمع المتكلم يحيل إلي العالم الإسلامي وكان هذا الأخير يتحدث عن نفسه من خلال المذكرة.

[24]  ألا يقتضي التسامح مراعاة واقع الآخر وخصوصياته ٍالتي تتناسب في كنهها تماما مع الاشتراك دون تقييد في قيم ومبادئ كونية. أولا يملي مطلب الفاعلية ضرورة تأقلم مختلف الفرقاء بعضهم مع بعض نظرا لانخراطهم جميعا في مسار تقدم وازدهار مشترك؟ وبصرف النظر عن الحقائق الملموسة والمبررات الأيديولوجية التي لا تعدو في حقيقتها أن تكون تجليات حضارية خاصة أو بتعبير آخر صياغات مغايرة لنفس البعد الكوني يلزم تقديرها والاعتراف بها، فإن الأمر الجوهري هو وحدة المرجعية والهدف والمنهج وما تقتضيه هذه الوحدة من حشد للطاقات والقدرات أيا كان مصدرها في سبيل تحقيق مستقبل أفضل للإنسانية برمتها. 

[25] يجب على كل خطاب متنور ومتوازن أن ينأى عن أي نظريات أو حركات متطرفة وأن يتبنى دون مواربة ولا مداهنة نهج الانفتاح والتسامح المميز للإسلام الصحيح.

 [26] وهي عصابات يقدم المنخرطون فيها أنفسهم علي أنهم مسلمون / إسلاميون بينما تركز دعاية مغرضة عديمة الموضوعية والتسامح ومفرطة في معاداتها  للإسلام علي الترويج من أجل إضفاء هذه الصفة عليها بغية الإساءة علي صورة الإسلام والمسلمين، ساعية بوعي من وراء هذا التصرف إلي بث التنافر والإقصاء والبغض ما يشكل تهديدا إضافيا خطيرا علي الوئام والسلم العالميين.

 [27]  إشارة إلى عنوان الرواية الجميلة (أرض الرجال، 1939) التي كتبها الطيار والكاتب الفرنسي المشهور آنتوان سانت أكسبري (1900-1944).

[28] نشير إلى أن تحرير هذه الوثيقة واكب نهاية حرب الخليج الثانية وأجواء البيروسترويكا وصياغة نظريات العولمة، وكان النقاش يدور حينها على أشده حول نشوء نظام عالمي جديد.

[29] لأننا، عندما نسلم بنسبية الأشكال و التصورات الخاصة، سندرك تماما أن الإسلام، انطلاقا من مرجعية أخرى وباللجوء إلى تعبيرات مغايرة ، قد نص على وجوب احترام القيم الكونية وكافة الحقوق الإنسانية الحقيقية ، وأن هذا اللزوم المثبت بوضوح في نصوصه المؤسسة يجري تجسيده بدقة علي أرض الواقع في المملكة العربية السعودية التي يعتمد نظامها حصرا- ولا مغدى لها عن ذلك- على تعاليم الإسلام والتي تتبنى مع ذلك- وبالتحديد لذلك- نفس القواعد الأخلاقية والقانونية المسلم بها كونيا لدى كافة البشرية، كما تعتمدها بطبيعة الحال. لكنها تستند إليها و تلتزم بها مع التقيد الكامل بالعقيدة الإسلامية. وهنا تكمن خصوصية هذا البلد.

[30]  انظر ص. 7 ، الهامش 17.

.[31]  انظر ص.  9 ، الهامش 4 2  أعلاه.

[32]  سورة 2، الآية 255.

[33]  سورة 10، الآية 99.

[34]  سورة 5، الآية 34.

[35] سورة 53، الآية 37.

[36]  سورة 5، الآية 3.

[37] سورة 49، الآية 13.

[38] أدت حركة الإصلاح التي قادها مارتن لوثر (1483-1546) إلى نشوء الكنيسة البروتستانتية التي اشتبك أتباعها مع الكاثوليك في نزاعات مريرة. وفي فرنسا كانت الحروب الدينية (1562-1598) التي شكلت صدامات خطيرة تخللتها انتهاكات ومجازر (مذبحة واسي عام 1562، مذبحة سانت بارتليمي عام 1572)، أعنف صراعات تلك الفترة الحالكة من التاريخ الأوربي.

[39] أقامت هذه الثورة التي حملت آية الله الخميني إلى الحكم سنة 1979 نظاما سمته ب"الإسلامي"- وهو في الحقيقة شيعي محض- واعتمدت هذه الثورة في وقت مبكر صبغة عالمية فسعت من أول وهلة إلي تصدير نفسها إلى مجمل دول العالم الإسلامي. ويندرج بوضوح في هذه الإشكالية تنامي بعض تيارات "الإسلام السياسي" التي تنتهج زعزعة استقرار الخصم وتلجأ بطيبة خاطر إلى العنف والإرهاب تماما كما يندرج فيها تأجيج الصراع بين السنة والشيعة.

[40] يتعلق الأمر بأيرلندا الشمالية التي عاشت اضطرابات خطيرة بين الأقلية الكاثوليكية و الأغلبية البروتستانتية ما بين 1969 و 1998.

[41] سواء في ذلك المارونيون وغيرهم من الطوائف المسيحية الأخرى أو المسلمون شيعة كانوا أو سنة.

 .[42]  مولت المملكة العربية السعودية مؤخرا صفقة ضخمة لشراء أسلحة فرنسية لصالح الجيش اللبناني.

[43]  لا يمكن بالفعل الحصول على فوائد مستدامة من تأجيج التناقضات أو إحياء النعرات، ناهيك عن الاغترار بتفوق مؤقت في ميزان القوى. إن من يتعامل مع تطور الإنسانية- ومستقبلها- على هذا الأساس يوشك أن يفاجئه وضع غير مريح، تماما كمن يبني منزله على فوهة بركان.

[44]  إن الأوان قد حان لكي يدرك جميع المتدخلين بصفة مباشرة أو غير مباشرة في نزاع الشرق الأوسط أنه بدون حوار صريح يحترم كافة الحقوق، لا يمكن الوصول إلى حلول حقيقية من أجل إحراز سلم عادل ودائم. لذا يتعين انتهاز جميع فرص الحوار وبادرات حسن النية للبحث عن حل عادل ونهائي على أساس العدل ومراعاة الحقوق التي لا يمكن التنازل عنها من أجل التوصل إلى سلم عادل ودائم ، وما عدا ذلك سيعرض المنطقة والعالم لخطر ماحق، وسيتحمل المتسبب فيه مسؤولية جسيمة أمام التاريخ.

[45]  بالإشارة إلى الصراع الذي دارت رحاه في فرنسا خلال القرن السادس عشر الميلادي بين الكاثوليك والبروتستانت (انظر الصفحة 17، الهامش 36 أعلاه).

[46] الحركات الإرهابية التي ترفع شعار الإسلام أو تصف نفسها بأنها "إسلامية" تعيد إلى الأذهان سوابق تحيل إلى أقليات من الفرق الشيعية التي ظهرت في صدر الإسلام وكانت تعمل تحت غطاء السرية وتمارس العنف وحتى الإرهاب (علي سبيل المثال، فرقة الحشاشين الإسماعيلية التي أنشأها في النصف الثاني من القرن الحادي عشر الميلادي حسن الصباح). ويبدو أن بعض المجموعات المتطرفة استعادت هذا الأسلوب بعد ظهور بعض تيارات "الإسلام السياسي" في السنوات التي أعقبت نشوب "الثورة الإسلامية" الإيرانية (1979). وعلى خلفية حروب أهلية أو خارجية او في ظل أزمات داخلية، تم تشجيع الإرهاب، أيا كان مصدره، مباشرة أو موضوعيا، من قبل "رعاة" معروفين بهدف زعزعة استقرار بلدان مثل المملكة العربية السعودية، تقاوم باسم الإسلام الصحيح ودفاعا عن المصالح الحقيقية للأمة الإسلامية وحرصا على الأمن الإقليمي والدولي، هذا الانحراف الخطير وترفض بلا مواربة أطروحات الإرهاب ورؤيته وأساليبه.

[47] كما هو الحال بالنسبة لتدخل حزب الله اللبناني في سوريا ومليشيا الحشد الشعبي في العراق. صحيح أن الانتهاكات الفظيعة وجرائم التقتيل والتدمير البشعة التي ترتكبها مجموعات إرهابية مثل"تنظيم الدولة الإسلامية" ومن على شاكلتها، يجب التصدي لها بأقصى قدر من الصرامة. لكن هذا التصدي يجب أن يتم على يد الدول أو باللجوء – عند الاقتضاء – إلى تحالفات دولية. ولا ينبغي إطلاقا أن يوكل إلى ميليشيات طائفية تستغله،  علي حساب الاستقرار والسلام، في تصفية حساباتها مع الأبرياء من الطائفة المنافسة وتجعله ذريعة لتنفيذ مخططات القوة الراعية لها في نطاق تهديدها السافر لأمن المنطقة ومن أجل تحقيق أهدافها التوسعية.

 [48] المهم هو التقاسم والاحترام الصارم لمبادئ مشتركة وقيم كونية لا يمكن المساس بها، أما المرجعيات الأيديولوجية والمبررات النظرية فتدخل في نطاق العقائد والخصائص الحضارية التي يختلف الناس بشأنها، راجع أعلاه ، الصفحة 12 وما بعدها. 

[49] جميع المؤامرات التي حيكت ضد المملكة العربية السعودية تم اكتشافها وإحباطها من قبل الحكومة والشعب، وباء مدبروها بالخذلان إذ لم يكن لها صدى ولا تأثير.

[50] مع أن المملكة العربية السعودية ترحب بجميع أشكال التقارب والاتفاق الكفيلة بالإسهام الفعلي في صنع السلام وبث التفاهم والوئام في العلاقات الدولية ولكن بشرط أن يضمن هذا التوجه احترام امن واستقرار وسيادة كافة الدول الأخرى مع التخلي الفوري والنهائي عن جميع مشاريع التوسع والهيمنة والكف المطلق عن التدخل. في الشؤون الداخلية لبلدان المنطقة

[51] خاصة وان المملكة العربية السعودية ما فتئت تحرص طبقا لرسالتها الخالدة وانطلاقا من خياراتها الثابتة علي أن تظل علي الدوام عامل سلام ووئام لا محيد بالتالي عن أخذه الحقيقي في الاعتبار.

[52] خاصة وأن اعتماد هذا الدور يمثل مطلبا موضوعيا و أن تفعيله لم يكن في وقت من الأوقات أسهل بلوغا ولا أكثر فائدة منه اليوم نتيجة للأوضاع المتأزمة السائدة حاليا في أغلب بلدان الشرق الأوسط.  

لذلك يبدو واضحا آن الظروف أصبحت، من الآن فصاعدا، مواتية لإعادة ترتيب الأدوار في المنطقة، الأمر الذي أصبح ضروريا نظرا للحالة الداخلية الخطيرة والمعقدة القائمة في مصر ولتخبط سوريا والعراق في أزمة مقلقة ومستمرة.

إن التأكيد الجازم علي مكانة المملكة العربية السعودية وتنشيط نفوذها ودعم دورها القيادي ليشكل في هذا الصدد استجابة طبيعية ومناسبة للحاجة الملحة إلي مراجعة بنية العلاقات الإقليمية مراجعة معتبرة ومعمقة وإلي استعادة المبادرة علي الصعيدين السياسي والاستراتيجي.

وقد حاولنا في التفاصيل الواردة أعلاه أن نركز علي أهمية وملاءمة هذا الاتجاه وذلك من خلال الاعتراف العلني بمكانة ودور المملكة العربية السعودية الفريدين واحترام هذه المكانة وتقوية ذلك النفوذ ما سيسهم إسهاما أساسيا في استئصال الإرهاب وضبط الأوضاع وبث روح الاعتدال ليس فقط من أجل انسجام واستقرار المنطقة بل سبيلا كذلك إلي استتباب الأمن وإحلال السلام إقليميا وعالميا .