كتاب: يوميات غوانتانامو / للسجين الموريتاني محمدو ولد صلاحي (الحلقات 56-60/ جريدة الأمل الجديد)

اثنين, 05/02/2016 - 14:57

لم افعل شيئا تريد الولايات المتحدة ان تسيء الى الاسلام بالصاق اشياء مرعبة كهذه بالمسلمين.

هل تعرف .......................؟

كلا لا اعرفه يذهب بي الاعتقاد أن قصته كانت مفبركة بغية فتح ميزانية الارهاب والاساء إلى المسلمين كنت صادقا في كلماتي واذا عدنا الى الوراء لم اكن اعرف الكثير من القضايا التي اعرفها الآن أومن جدا بنظرية المؤامرة ولكن مع ذلك ليس بالقدر الذي تقوم به حكومة الولايات المتحدة.

سألني المحقق ايضا عن مجموعة أخرى من الاشخاص الذين اعرف معظمهم ولكني اعرف انهم ليسوا متورطين في الجرائم من أي نوع على حد علمي. اخيرا سألني السينغالي عن موقفي من الولايات المتحدة ولماذا جئت عابرا بلده حقا لم افهم لماذا يهم الناس ان يعرفوا موقفي حيال الحكومة في امريكا انا لست مواطنا امريكيا ولم احاول مرة واحدة ان اقدم طلبا للدخول الى امريكا ولا حتى ان اعمل في امريكا رغم كل هذه الحقائق استطيع ان اكذب دائما فعلى سبيل المثال يمكنني القول: احب الولايات المتحدة او اكرهها موقفي لا يهم طالما انني لم ارتكب اية جريمة ضد امريكا شرحت هذا كله للمحقق السينغالي بوضوح أزال كل شك حيال وضعي.

قال لي: تبدو متعبا جدا اقترح ان تذهب وتنام قليلا اعرف ان الموقف صعب حقا كنت متعبا للغاية وكنت جائعا وعطشا ايضا اعادني الحراس الى الغرفة الصغيرة حيث كان اخواي وصديقاهما يستلقون على الارض وهم في معركة ضاربة مع اكثر القوى الجوية السينغالية فعالية من البعوض .................... لم اكن اوفر حظا منهم هل نمنا؟ في الواقع لا.

ظهر المحقق ومساعده في الصباح الباكر اطلقوا سراح الشابين في حين اخذوني انا واخوي الى المبنى المركزي لوزارة الداخلية هناك تبين ان المحقق كان يحتل موقعا رفيعا في الحكومة السينغالية اخذني الى مكتبه ومن ثم اتصل هاتفيا بوزير الداخلية.

قال للوزير على الهاتف: "الرجل الذي امامي ليس رأس منظمة ارهابية" لم اسمع ما قاله الوزير ثم اضاف "بالنسبة لي لا ارى مبررا لبقائه في السجن وليست لي مصلحة في ذلك". كانت المكالمة العاتفية قصيرة ومباشرة في تلك الاثناء اخذ اخواي راحتهما واشتريا بعض المواد وبدأا باعداد الشاي. الشاي هو المشروب الوحيد الذي يبقى الموريتاني على قيد الحياة بعون الله. لقد مر وقت طويل لم اتناول فيه شيئا لا طعاما ولا شرابا ومع ذلك الشيء الأول الذي تبادجر الى الذهن كان الشاي.

كنت سعيدا لأن طن الاوراق الذي قدمته حكومة الولايات المتحدة الى السينغاليين بخصوص وضعي بدت لا شيء في نظرهم ولم يستغرق محققي وقتا طويلا حتى يفهم حقيقة الموقف. بدأ اخواي يتجاذبان اطراف الحديث معه باللغة الولوفية سألت اخوي عما كان يدور الحديث فقالا ان الحكومة السينغالية ليست مهتمة بحجزي لديها ولكن الولايات المتحدة هي التي لديها شبهات ذلك لا يسر أحدا لأن في تصورها ما تقدمه امريكا هي مجرد شبهات ليس إلا.

حينئذ قال المحقق: ننتظر وصول بعض الناس من السفارة الأمريكية وفي الساعة الحادية عشرة تقريبا ظهر امريكي اسود .......................... أخذ ....................... الصور والبصمات والتقرير الذي طبعه المدون باكرا ذاك الصباح شعر اخوي بالراحة مع ............................ السود أكثر من ............................. البيض من الليلة الماضية.

يشعر الناس بالراحة مع الاشكال التي اعتادوا رؤيتها وبما ان نصف سكان موريتانيا من السود فقد شعر اخواي بالعلاقة التي تربطهم بالسود أكثر. ولكن هذه ليست الا مقاربة فجة للموضوع اذ لا فرق بين ............................ السود او البيض فكلهم سعاة يؤدون مهامهم.

بعد ان انهى .............................. العمل اتصل مرتين بالهاتف ومن ثم سحب المحقق جانبا وتحدث لوقت قصير وبعدها ذهب ..................... أخبرني المفتش بانهم سيطلقون سراح اخوي ولكني سأبقى في الحجز لديهم لبعض الوقت.

حينئذ سأل أخي:

هل تعتقد أن بإمكاننا الانتظار حتى تطلقوا سراحه؟

أنصحكم أن تذهبوا الى البيت واذا ما اطلقنا سراحه فمن المؤكد أنه سيكون قادرا على ايجاد طريقة للوصول الى البيت.

غادر أخواي فشعرت بالوحدة والهجران واعتقد أن ذلك كان شعور اخوي ايضا.

ظل السينغاليون يحققون معي حول الأمور ذاتها على مدى يومين وكان المحققون الامريكيون قد ارسلوا لهم الاسئلة هذا كل شيء. لم يلحق السينغاليون بي الاذى باية طريقة ولم يهددوني وبما ان الطعام في السجن لا يمكن تناوله فقد رتب اخواي الامور مع عائلة سينغالية تعيش في داكار لجلب وجبة طعام يوميا وهو ما التزمت به العائلة الطبية دون انقطاع.

كان همي في الماضي ولا يزال هو اقناع حكومة الولايات المتحدة بانني لست ذرة. بينما كان هم المعتقل الوحيد معي في السجن السينغالي هو ان يصل الى اوروبا أو امريكا عن طريق التهريب.

لاشك ان كلا منا يدور في فلك مختلف كان الشاب من ساحل العاج وقد عقد العزم على مغادرة افريقيا.

اخبرني الشاب قائلا: لا احب افريقيا مات العديد من اصدقائي الجميع فقراء اريد الذهاب الى اوروبا او امريكا حاولت حتى الان مرتين تمكنت في المرة الاولى من التسلل الى البرازيل وذلك عندما تحايلت على المسؤولين في الميناء ولكن خاننا رجل افريقي وافشى سرنا للسلطات البرازيلية فاعتقلتنا وسجنتنا حتى قامت بترحيلنا الى افريقيا ثانية البرازيل بلد جميل ونساؤه جميلات جدا.

قاطعته: كيف تستطيع ان تقول هذا وقد كنت في السجن طوال الوقت؟

ابتسم وقال: نعم ولكن بين الفينة والأخرى كان الحراس يرافقوننا في جولة ثم يعيدوننا الى السجن.

ثم اردف: تعرف يا اخي وصلت في المرة الثانية الى ايرلندا ولكن عديم الرحمة ........................ ابقاني في السفينة وسلمني الى الجمارك.

بدا لي كأنه كولومبس فتساءلت كيف ركبت السفينة في المرة الأولى؟

الامر هي يا أخي رشوت بعض العاملين في الميناء وهؤلاء الاشخاص هربوني على متن سفينة متجهة الى اوروبا او امريكا الامر سيان عندي لا مشكلة بالنسبة لي اختبأت في قسم الحاويات لمدة اسبوع حتى نفدت مؤونتي.

عنها صعدت الى الاعلى واختلطت بافراد الطاقم في البداية جن جنونهم حتى ان قبطان السفينة المتجهة الى ايرلندا وصل به الجنون الى درجة انه اراد اغراقي في البحر.

قاطعته: يا له من حيوان ولكن صديقي استمر في سرد قصته:

لم يمض اكثر من الوقت حتى الف الطاقم وجودي بينهم فاعطوني الطعام وجعلوني اعمل.

كيف امسكوا بك هذه المرة؟

خانني المهربون قالوا لي ان السفينة متجهة الى اوروبا مباشرة دون توقف ولكنها توقفت في داكار والجمارك اخرجتني من السفينة وها انا هنا!

وما هي خطتك التالية؟

ساعمل واوفر بعض النقود واحاول مرة أخرى.

يبدو ان صاحبي قد قرر الخروج من افريقيا باي ثمن علاوة على هذا كان واثقا بانه سيصل الى الارض الموعودة.

يا رجل ما تشاهد في التلفزيون ليس الصورة الحقيقية للحياة في اوروبا.

لا! لقد تمكن اصدقائي من الوصول الى اوروبا بنجاح عن طريق التهريب انهم يعيشون حياة جيدة نساء جميلات والكثير من النقود افريقيا سيئة.

ربما ينتهي بك المطاف بدخول السجن في اوروبا.

لا يهمني السجن في اوروبا جيد افريقيا سيئة.

اكتشفت ان الشاب قد اعماه العالم الغني تماما العالم الذي يظهرونه لنا نحن الفقراء الافارقة بانه فردوس لا نستطيع دخوله ومع هذا كان ذلك هو غاية الشاب في موريتانيا يرغب اغلب الناس بالهجرة اما الى اوروبا ا والى الولايات المتحدة واذا لم تتغير الظروف السياسية في بلدان افريقيا بشكل جذري فستتجه بنا الامور الى الكارثة التي ستؤثر على كل العالم.

زنزانته كانت سيئة للغاية بينما كانت زنزانتي افضل بقليل كنت امتلك في زنزانتي فراشا مهترئا في حين لم يكن يوجد في زنزانته سوى قطعة من الورق المقوى ينام عليها اعتدت ان اعطيه طعامي لاني اذا ما قلقت تنعدم عندي شهية الطعام وبالتالي القدرة على الاكل. ثم ان طعاما طيبا كان يأتيني من خارج السجن بينما طعامه كانطعام السجن السيئكان الحراس يسمحون لنا ان نكون معا فترة النهار ولكنهم كانوا يقفلون عليه الباب في الليل زنزانتي كانت مفتوحة دائما وقبل ترحيلي الى موريتانيا بيوم جاء سفير ساحل العاج ليؤكد هوية صاحبي المعتقل لم تكن لدى صاحبي اية اوراق تثبت هويته قال لي المحقق الذي كان يستجوبني في الايام الأخيرة والفرح يزغرد في عينيه سنطلق سراحك!

قاطعته اشكركم ونظرت باتجاه مكة وسجدت اشكر ربي على اطلاق سراحي.

ولكن يجب علينا ان نسلمك الى بلدك.

كلا اعرف الطريق دعوني اذهب لوحدي قلت ذلك ببراءة وانا اقول لنفسي انني لا اريد العودة الى موريتانيا بل الى كندا ربما او أي مكان آخر لقد تعذب قلبي بما فيه الكفاية.

آسف يجب أن نسلمك بانفسنا.

تحول فرحي فجأة الى عذاب وخوف وعصبية وعجز واضطراب واشياء أخرى كثيرة اعجز ن وصفها.

لملم حاجياتك سنغادر للتو.

بدأت اجمع ممتلكاتي القليلة بقلب محطم حمل المفتش حقيبتي الكبيرة بينما حملت انا الحقيبة اليدوية اثناء اعتقالي صور الامريكيون نسخا عن اوراقي كلها وارسلوها الى واشنطن.

كانت الساعة حوالي الخامسة عندما تركنا وراءنا بوابة مفوضية الشرطة في الخارج امام البوابة كانت تقف سيارة ميتسوبيشي وضع المفتش حقائبي في صندوق السيارة بينما جلسنا في الكرسي الخلفي جلس الى يساري حارس لم اره من قبل كان كبيرا في السن وضعيفا في البنية كان هادئا وكان يتكئ الى الخلف نوعا ما ظل ينظر الى الامام طوال الوقت نادرا ما كان يفحصني بسرعة بطرف عينه اكره ان يحدق في الحراس كما لو انهم لم يروا انسانا من قبل والى يميني جلس المفتش الذي كان يدون المعلومات اثناء التحقيق معي والى جانب السائق كان يجلس المحقق الاساسي.......................................................................................................................................................

يمكنك ان تعرف من سفع الشمس على وجهه انه قضى بعض الوقت في مكان دافئ ولكن ليس في السينغال لان المحققين ظلوا يوجهونه الى المطار او ربما يبحث عن الطريق الافضل. كان يتكلم الفرنسية بلكنة ثقيلة ومع ذلكم كان بخيلا في حديثه لقد حصر نفسه بما هو ضروري فقط لم ينظر الي قط ولم يخاطبني بكلمة واحدة في حين حاول المحققان الآخران التحدث الي ولكني لم استجب وبقيت اقرأ قرآني بصمت على خلاف الموريتانيين والاردنيين والأمريكيين لم يصادر السينغاليون قرآني.

استغرقت المسافة الى المطار خمسا وعشرين دقيقة كانت حركة المرور هادئة داخل المطار وحوله وجد السائق الأبيض مكانا شاغرا يصف السيارة فيه. خرجنا من السيارة حمل الحراس امتعتي واتجهنا الى غرفة الانتظار عبر الطريق الديبلوماسية. كانت هذه هي المرة الأولى التي اختصر فيها الاجراءات الرسمية المدنية للانتقل من بلد إلى آخر كان امرا ممتعا ولكني لم احبه يبدو ان الامور كانت جاهزة في المطار مسبقا كان المحقق والسائق الابيض يبرزان بطاقتيهما السحريتين لتصبح كل الطرق سالكة امامهما بإمكانك التمييز بسهولة بان البلد ليس له سيادة كان لا يزال مستعمرا باقبح صور الاستعمار يبشر السياسيون في ما يسمى العالم الحر بامور كرعاية الديمقراطية والحرية والسلام وحقوق الانسان ياله من نفاق لا يزال هناك الكثير من الناس يعتبرون هذه الدعاية كلاما تافها.

كانت غرفة الانتظار فارغة. اخذ كل منا كرسيا وجلسنا. أخذ احد السينغاليين جواز سفري وعاد به مختوما. ظننت أنني سأسافر بشكل اعتيادي على متن طائرة تابعة للخطوط الدوية الافريقية متجهة الى نواكشو بعد الظهر حسب جدول المواعيد ولكن لم يمض الكثير من الوقت حتى عرفت ان لي طائرة خاصة وما ان عاد الشاب بجواز سفري المختوم حتى نهضنا جميعا وعددنا كان خمسة اشخاص واتجهنا نحو مدرج المطار حيث كانت طائرة بيضاء صغيرة في انتظارنا بهدير محركاتها اومأ الرجل الامريكي برأسه لنقي في الخلف وتكلم مع الطيار بسرعة ربما كان معه المحقق ايضا لا استطيع تذكر ذلك كنت مرعوبا الى حد تعطلت مها ذاكرتي من تسجيل الاشياء.

بعد برهة طلبوا منا الصعود الى الطائرة كانت الطائرة صغيرة كنا اربعة اشخاص تمكنا من دخولها بصعوبة واضطررنا ان ندخل الفراشة ورؤوسنا منخفضة وظهورنا محنية كان مكان قائدة الطائرة مريحا للغاية خمنت انها سيدة فرنسية من لكنتها الفرنسية في النصف الثاني من عمرها نحيلة وشقراء ومتكلمة ولكنها لم تتحدث معي بل تبادلت بعض الكلمات مع المفتش اثناء الرحلة وفيما بعد علمت انها اخبرت اصدقائها في نواكشوط بالطرد السري الذي نقلته من داكار. ضغطنا انا والحراس الكبير على انفسنا وركبنا كانت في وجهنا في المقعد الخلفي مقابل المفتش الجالس امامنا في كرسي افضل بقليل من الواضح ان حمولة الطائرة كانت زائدة.

انتظر كل من المحقق والرجل الأمريكي حتى تأكدا بان الطائرة قد اقلعت لم اعر الحديث الدائر بين قائدة الطائرة والمفتش انتباها ولكني سمعتها تقول ان الرحلة هي مسافة ثلاثمائة ميل فقط وستستغرق بين خمس واربعين دقيقة وساعة من الوقت وذلك حسب اتجاه الريح بدا ذلك وكأننا قي القرون الوسطى حاول المفتش ان يتحدث الي ولكن لم يكن هناك شيء للتحدث عنه فبالنسبة لي قلت وفعلت كل شيء من قبل اكتشفت انه لا يملك شيئا في يده ليساعدني به لما جدوى الحديث معه؟

أكره السفر في الطائرات الصغيرة لانها تهتز كثيرا واعتقد دائما ان الريح ستجرفها بعيدا ولكن هذه المرة كان الامر مختلفا لم اكن خائفا في الوقت كنت اريد ان تتحطم الطائرة وابقى لوحدي على قيد الحياة سأعرف طريقي انه بلدي وقد ولدت هنا وسيقدم لي كل شيخص الطعام والمأوى غرقت في احلامي ولكن الطائرة لم تتحطم بل بدأت تقترب اكثر فاكثر من وجهتها ولاسيما ان الرياح في صالحها. كنت افكر باخوتي الابرياء نقلوا بين اماكن وبلدان غريبة شعرت بالمواساة لانني لم اعد وحدي.

كنت اشعر بالغبن نتيجة سوء معاملتي. سمعت قصصا كثيرة عن الاخوة الذين لعب بهم ككرة في ملعب لانهم كانوا يوما ما في افغانستان او البوسنه او الشيشان لقد سجنوا على بعد الاف الاميال شعرت بدفء انفاس اولئك اللذين يتعرضون للظلم فازددت راحى التزمت طوال الوقت بقراءة قرآني متجاهلا ما يدور من حولي يبدو ان جماعتي لديهم الوقت الكافي لتفقد اوضاع الطقس والاستمتاع بالشاطئ الذي كنا نطير فوقه طوال الوقت لا اعتقد ان الطائرة كانت تمتلك أي نوع من التكنلوجيا الملاحية لان قائدة الطائرة بقيت تقود الطائرة على ارتفاع منخفض وتتجه بنا على امتداد الشاطئ بدأت ارى من خلال النافذة القرى الصغيرة المغطاة بالرمال في محيط نواكشوط كئيبة كمشهدها العام مما لاشك فيه ان عاصفة رملية كانت قد ضربتها ذلك اليوم وكان الناس قد بدأوا بالخروج من بيوتهم تدريجيا بدأت ضواحي نواكشوط أكثر تعاسة من أي وقت مضى مزدحمة وبائسة وقذرة ومحرومة من ابسط مستويات البنية التحتية عرفت انها كانت غيتو كبا وقد ازدادت سوءا. كانت الطائرة تطير على علو منخفض جدا الى درجة انني كنت استطيع التمييز بين الناس واحدا واحدا.

مر وقت طويل على آخر مرة شاهدت فيها بلدي في الواقع منذ اغسطس 1993. عدت اليه ولكن كارهابي مشتبه به هذه المرة والذي سيختفي في جحر سري ما اردت ان اصرخ في شعبي: انا هنا لست محترما انا بريء انا ذاك الشخص الذي تعرفونه انا لم اتغير البتة لكن صوتي كان مقموعا كما لو كنت في كابوس.

لم اتعرف أي شيء في المدينة لقد تغيرت على نحو سريع.

عرفت اخيرا ان الطائرة لم تتحطم ولن تكون لدي فرصة اتحدث فيها مع اهلي كم هو مدهش وصعب ان يقبل انسان بوضعه البائس ان مفتاح النجاة لتجاوز أي وضع بائس هو ان تدرك انك فيه ان شئت ام ابيت سيتم تسليمي الى اشخاص لا اريد رؤيتهم قط.

هل بامكانك ان تقدم لي معروفا؟ سألت المفتش.

بالتأكيد!

أود ان تخبر عائلتي انني في البلد.

حسنا وهل لديك رقم هاتف؟

نعم، لدي وخلافا لتوقعاتي قام المفتش بالفعل بتبليغ اسرتي واخبرهم بحقيقة وضعي وعلاوة على ذلك اعطى السينغاليون تصريحا للصحافة بانهم سلموني الى بلدي ولكن الموريتانيين والأمريكيين انزعجوا من تلك الخطوة.

سألني فيما بعد مدير المخابرات الموريتانية:

ماذا قلت للمفتش؟

لا شيء.

تكذب أخبرته أن يتصل بأسرتك لا يفوت الأمر حتى على معتوه أن يدرك أن هاتف البيت كان مراقبا.

كانت عملية التسليم سريعة هبطنا بالقرب من الباب الخلفي للمطار حيث كان ينتظر رجلان المفتش المرويتاني وشخص آخر أسود كبير الحجم وغريب الشكل لابد أنهما جاءا لتولي القضية.

أين رئيس شرطة المطار؟ سأل المفتش ناظرا الى زميله الاسود عرفت ان رئيس الشرطة كان ذات مرة في المانيا أويته وساعدته على شراء سيارة مرسيدس بنز تمنيت أن يظهر ويراني لعله يدلني بشيء لصالحي ولكنه لم يظهر ابدا ولم يوص احدا للاهتمام بي. ان الاستخبارات الموريتانية هي أعلى سلطة لفرض القانون لكنني شعرت باني أغرق لذا كنت اتمسك باية قشة أصادفها.

سنرافقكم الى الفندق لقضاء ما تبقى من الليل قال المفتش لضيوفه.

كيف حالك؟ قالها برياء وهو ينظر الي.

بخير.

هل ذلك كل ما يمتلك؟

نعم ذلك كل شيء أراقب ممتلكاتي على الارض وهي تنتقل من يدي الى يد كما لو أنني قد مت مسبقا.

لنذهب! قال لي المفتش. عندها حمل الرجل الأسود الذي لم يغض الطرف عني للحظة أمتعتي ودفعني امامه باتجاه غرفة صغيرة قذرة عند الباب السري للمطار في الغرفة فك المدني الاسود عمامته السوداء القذرة التي لم تغسل منذ قرن.

قنع وجهك كله بهذه العمامة قال المفتش هذا هو الموريتاني النموذجي روح البداوة مازالت مهيمنة لابد أن المفتش قد توقع مسبقا انه سيحتاج الى عمامة ليلف رأسي بها ولكن في موريتانيا لا يكون التنظيم موجودا عادة انه يبقى للمصادفة والنزوة كان الأمر غير متوقعا ولكني لم انس كيف الف عمامة حول رأسي انه عمل يجب أن يتعلمه ابن الصحراء كانت تفوح من العمامة رائحة العرق المتراكم كان مقرفا الى حد انك لا تطيق ان تلف بها فمك وانفك ولكني اطعت الأوامر مكرها وحبست انفاسي بها.

لا تنظر من حولك قال المفتش عندما خرجنا نحن الثلاثة من الغرفة متجهين نحو سيارة الشرطة السرية المصطفة .......................................... جلست في الكرسي الامامي بجانب المفتش الذي راح يقود السيارة في حين جلس الرجل الاسود في الكرسي الخلفي صامتا كان الوقت أول غروب الشمس تقريبا ولكن يصعب على المرء تحديد الوقت بدقة مع وحود غيمة من الغبار في الافق كانت الشوارع خالية خالفت التعليمات وكنت انظر من حولي كلما سنحت لي الفرصة ولكن كان التعرف على الاشياء ضربا من المستحيل.

كانت الرحلة قصيرة استغرقت عشر دقائق حتى وصلنا مبنى شرطة الأمن ترجلنا من السيارة ودخلنا المبنى كان حارس آخر ينتظر وصولنا، ..............................

كان المكان بيئة مثالية للبعوض وحده الانسان غريب في هذا المكان مرحاض قذر جدران وارضيات مقززة ثقوب في كل الغرف نمل وعناكب وذباب.

امر المفتش ...........................: فتشه بالكامل.

حينها قال لي ............................... باحترام: اعطني كل ما لديك وذلك حتى لا يضطر الى تفتيشي. اعطيت ................................ كل شيء ما عدا قرآن الجيش لابد أن المفتش كان له علم بان لدي قرآن الجيش لأن .......................... عادو وسألني هل معك قرآن؟

نعم معي.

اعطني اياه قلت لك اعطني كل شيء وخشية ألا يعود الحارس مرة أخرى بدأ يفتشني بلطف ولكنه لم يعثر على شيء سوى قرآن جيبي كنت حزينا ومتعبا وخائفا الى حد أنني لم اتمكن من السهر لذا وضعت سترتي على رأسي وسقطت على الفراش الوحيد في الغرفة ذي السماكة الهزيلة وعمر يناهز مائة عام. أردت النوع وألا اثو بالى رشدي ولا استيقظ حتى يندثر آخر الاشياء السيئة كم من الألم استطيع تحمله؟ سألت نفسي هل يستخدمون الكهرباء في التعذيب قرأي قصصا عن اناس عذبوا حتى الموت كيف تحملوا ذلك قرأت عن ابطال مسلمين وجهوا عقوبة الموت برؤوس مرفوعة كيف فعلوا ذلك لا اعرف ولكن ما اعرفه هو انني صغير جدا امام الاسماء التي اعرفها حينها انتابني شعور بالخوف الى حد الموت.

مع ان البعوض يمزقني فقد نمت بعمق كنت استيقظ بين الفينة والأخرى واسأل نفسي لماذا لا يحققون معي الآن مباشرة ويفعلون بي ما يشاؤون وينهوا الأمر أكره انتظار التعذيب يقول مثل عربي: انتظار التعذيب أسوأ من التعذيب. استطيع التأكيد على هذا المثل فقط تمكنت من اداء صلواتي بطريقة من الطرق استيقظت مع منتصف الليل على حركة اشخاص كانوا يتحركون من حولي يفتحون ويغلقون الابواب بطريقة غريبة جدا عندما فتح الحارس باب غرفتي لمحت وجه صديق موريتاني شاءت لااقدار ان نكون معا فترة طويلة عندما زرت افغانستان في عام 1992 خلال الكفاح ضد الشيوعية بدا حزينا ومعذبا لابد أن تعذيبا مؤلما قد مورس عليه كدت افقد عقلي لان هذا المصير ينتظرني ايضا فنصيبي من التعذيب لن يكون اقل من نصيبه اذ تربطه علاقة قربى وثيقة مع الرئيس الموريتاني فضلا عن نفوذ اسرته المواصفات التي لا امتلكها حينها قلت لنفسي لابد أن الرجل قد تكلم عني في التحقيق وهذا هو سبب جلبه الى هنا.

انهض قال الحارس ضع عمامتك على وجهك وضعت العمامة القذرة مستجمعا ما تبقى لدي من القوة ثم تبعت الحارس الى غرفة التحقيق كما تقتاد شاة الى مصيرها الحتمي في المسلخ.

...... يتواصل

نقلا عن يومية الامل الجديد